القائمة الرئيسية

الصفحات

الحركات والحروف

الحركات والحروف



إنما سمي كل واحد من التسعة والعشرين حرفاً - حرفاً على اختلاف ألفاظها لأنه طرف للكلمة في أولها وفي آخرها، وطرف كل شيء حرفه من أوله ومن آخره، ولذلك كان أقل عدد أصول حروف الأسماء والأفعال ثلاثة: طرفان ووسط.

وكذلك الحروف العوامل سميت حروفاً لأنها وصلة بين الإسم والفعل، فهي طرف لكل واحد منهما، آخر الأول وأول الآخر، وطرفاً الشيء حداه من أوله وآخره، [ومنه قوله عز وجل: {وأقم الصلاة طرفي النهار} أي أوله وآخره] .



 ما السابق من الحروف والحركات?


اختلف الناس في الحرف والحركة، أيهما قبل الآخر، أو لم يسبق أحدهما الآخر؟

فقال جماعة الحروف قبل الحركات، واستدلوا على ذلك بعلل: منها أن الحرف يسكن ويخلو من الحركة ثم يتحرك بعد ذلك، فالحركة ثانية، والأول قبل الثاني بلا خلاف.

ومنها أن الحرف يقوم بنفسه ولا يضطر إلى حركة، والحركة لا تقوم بنفسها، ولا بد أن تكون على حرف، فالحركة مضطرة إلى الحرف، والحرف غير مضطر إلى الحركة، فالحرف أول.

ومنها أن من الحروف ما لا تدخله حركة، وهو الألف، وليس ثم حركة تنفرد بغير حرف، فدل ذلك عندهم أن الحروف مقدمة على الحركات.

وقال قوم الحروف بعد الحركات، والحركات قبل الحروف، واستدلوا على ذلك بأن الحركات إذا اشبعت تولدت الحروف منها، نحو الضمة يتولد منها الواو، والكسرة يتولد منها الياء، والفتحة يتولد منها الألف، فدل ذلك على أن الحركات أصل الحروف

وقال جماعة الحركات والحروف لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال، بل استعملا معاً، كالجسم والعرض اللذين لم يسبق أحدهما الآخر.

وقد طعن في هذا القول، فقيل إن السكون في الجسم عرض، وليس السكون في الحرف حركة، فزوال الحركة من الحرف لا يؤديه إلى حركة، زوال العرض من الجسم يؤديه إلى عرض آخر يخلفه، لأن حركة الجسم وسكونه كل واحد منهما عرض يتعاقبان عليه، وليس سكون الحرف حركة.

ألبتة، وبذلك علمنا أن الأجسام كلها محدثة، إذ لا يفارقها المحدث، وهو العرض، وما لم يسبق المحدث فهو محدث مثله، والحرف يخلو من الحركة ويقوم بنفسه، ولا يقال لسكونه حركة.

وأجيب عن هذا بجوابين:

أحدهما: بأن هذا الاعتراض إنما يلزم منه أن لا يشبه الحرف [بالجسم، والحركة بالعرض، وليس ينفي قول من قال إن الحرف] والحركة لم يسبق أحدهما الآخر في الإستعمال، والدليل على صحة هذا القول أن الكلام الذي جيء به للإفهام مبني من الحروف، والحروف إن لم تكن في أول أمرها متحركة فهي ساكنة، والساكن لا يمكن أن يبتدأ به، ولا يمكن أن يتصل به ساكن آخر في سرد الكلام لا فاصل بينهما، فلا بد من كون حركة مع الحرف، لا يتقدم أحدهما على الآخر، إذ لا يمكن وجود حركة على غير حرف.

الثاني: أن الكلام إنما جيء به لتفهم المعاني التي في نفس المتكلم، وبالحركات واختلافها تفهم المعاني، فهي منوطة بالكلام مرتبطة، إذ بها يفرق بين المعاني التي من أجلها جيء بالكلام، وهذا الجواب أولى من غيره

 حروف المد واللين والحركات واختلاف الناس في ذلك


اختلف النحويون في الحركات الثلاث: الضمة والكسرة والفتحة، هل هي مأخوذة من حروف المد واللين الثلاثة: الألف والواو والياء، أو حروف المد واللين مأخوذة من الحركات؟

فقال أكثر النحاة إن الحركات الثلاث مأخوذة من الحروف الثلاثة، الضمة من الواو، والكسرة من الياء، والفتحة من الألف.

واستدلوا على ذلك بما قدمناه من قول من قال إن الحروف قبل الحركات، والثاني أبداً مأخوذ

من الأول، والأول أصل له، ولا يجوز أخذ الأول من الثاني، لأنه يصير مأخوذاً من المعدوم.

واستدلوا أيضاً أن العرب لما لم تعرب أشياء من الكلام بالحركات، التي هي أصل الإعراب، أعربته بالحروف التي أخذت الحركات منها، وذلك نحو التثنية والجمع السالم، ونحو الأسماء الستة، قالوا ألا ترى أنهم لما لم يعربوا هذا بالحركات أعربوه بالحروف التي أخذت الحركات منها.

وقال آخرون: حروف الممد واللين مأخوذة من الحركات، واستدلوا على ذلك بأن الحركات إذا أشبعت حدثت منها هذه الحروف الثلاثة.

واستدلوا أيضاً أن العرب قد استغنت في بعض كلامها عن الواو بالضمة، وعن الياء بالكسرة، وعن الألف بالفتحة، فيكتفون بالأصل عن الفرع، لدلالة الأصل على فرعه، كقول الشاعر:

فلولا أن الأطبا كان حولي 

 وكان مع الأطباء الأساة

فحذفت الواو من (كانوا) وأبقيت الضمة تدل عليها، وقال الآخر:

دار لسلمى إذه من هواكا

فحذفت الياء من (هي) بعد أن سكنت، لدلالة الكسرة عليها، وقال الآخر:

فبيناه يشري رحله قائل 

 لمن جمل رخو الملاط

 نجيب يريد فبينما هو، فأسكن الواو ثم حذفها، لدلالة الضمة عليها، ويقولون: أن في الدار، فيحذفون الألف من (أنا) لدلالة الفتحة عليها، وقرأ هشام بن عروة {ونادى نوح ابنه وكان} بفتح الهاء، يريدابنها، فحذفت الألف لدلالة الفتحة عليها، ووجه هذه القراءة أنه كان ابن زوجته ربيبه، ولم يكن ابنه لصلبه.

وقال بعض أهل النظر: ليست الحروف مأخوذة من الحركات ولا الحركات مأخوذة من الحروف، إذ لم يسبق أحد الصنفين الآخر، على ما قدمناه من قول من قال الحروف والحركات لم يسبق أحدهما الآخر، وحجته، وهو قول ظاهر

المصادر:-


الكتاب: التمهيد في علم التجويد


المؤلف: شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، محمد بن محمد بن يوسف (ت ٨٣٣هـ)


تحقيق: الدكتور على حسين البواب


الناشر: مكتبة المعارف، الرياض


الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م








reaction:

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق