القائمة الرئيسية

الصفحات

صلاة الجماعة ،‌‌فضل صلاة الجماعة ،‌‌حكم صلاة الجماعة

صلاة الجماعة ،‌‌فضل صلاة الجماعة ،‌‌حكم صلاة الجماعة









صلاة الجماعة ،‌‌فضل صلاة الجماعة ،‌‌حكم صلاة الجماعة























صلاة الجماعة:الأصل في العبادات أن يؤديها الإنسان امتثالاً لأمر الله سبحانه، وأداء لحقه، وشكراً لنعمه، والعبادات هي البيان العملي لما استقر في النفس من عقيدة، وعلى قدر سلامة الاعتقاد وصحته تكون استقامة الإنسان على منهج الله فيما يؤدي من عبادات.

ولقد عني الإسلام بالصلاة أعظم عناية، فأمر بها وحذر من تركها، وشرع لها الاجتماع في أوقات معلومة، ففي كل يوم وليلة، يجتمع المسلمون لأدائها خمس مرات، وفي كل أسبوع يجتمعون لصلاة الجمعة، والاجتماع فيها أكبر من الاجتماع اليومي، وفي كل سنة، يتكرر مرتين، وهو الاجتماع للعيدين لجماعة كل بلد، وهو أكبر من الاجتماع الأسبوعي.

فضل صلاة الجماعة:

لم يكتف الإسلام من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يعيش فيه، وإنما رغبه، وأوجب عليه أن يؤديها مع الجماعة في المسجد. عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "أتى النبي رجل أعمى، فقال: يارسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: " فأجب "

فالإسلام يدعو إلى الوحدة ونبذ الفرقة، وينادي بالتوحيد، والاعتصام بحبل الله المتين. وتنطلق حناجر المؤذنين مدوية في وقت واحد، تجهر بنداء الحق، فيجتمع المسلمون خمس مرات كل يوم وليلة في مسجد حيهم.

ثم يلزمهم الله سبحانه بالاجتماع في لقاء أسبوعي، يجنون من ثماره العلم والتوجيه والموعظة والتذكير، فتتركز وحدتهم، وتظهر قوتهم، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ، ولم يبح ترك هذا الاجتماع لغير عذر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه " ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" .

ثم يأتي الاجتماع السنوي، ليكون مؤتمراً جامعاً، ومهرجاناً كبيراً، يقام في مكان واحد في الخلاء، ويجتمع له أهل البلد جميعاً، بما في ذلك الأطفال والرجال والنساء، حتى ذوات العذر منهن، عن أم عطية قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يارسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: "لتلبسها أختها من جلبابها" .

إنها تربية اجتماعية رشيدة، تهدف إلى تحقيق مصالح ومنافع للمسلمين، بما يحصل من التعارف والتواد بين الناس، لأن ملاقاة الناس ومصافحتهم تبعث المودة والمحبة في النفس، وتكون سبباً في التواصل بما يحقق الإحسان والعطف والرعاية، ومعرفة بعضهم أحوال بعض، فيقومون بعيادة المرضى والتخفيف عنهم، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين.

وفي صلاة الجماعة إظهار لشعيرة من شعائر الإسلام، بل من أعظم شعائره، وهي الصلاة وفيها إظهار عز المسلمين وترابطهم بدخولهم المساجد جميعاً ثم خروجهم جميعاً، فيكون ذلك سبباً في غيظ الأعداء من الكفار والمنافقين.

ومن فوائد صلاة الجماعة، حصول الألفة بين المسلمين، واجتماع القلوب على الخير، وإزالة الحقد والغل، وهدم الفوارق الاجتماعية والتعصب للجنس واللون، مما يشيع روح الإخاء والمساواة.

وهي وسيلة فعالة لغرس الخير، ونشر العلم والفضيلة، فيتعلم الجاهل من العالم، عندما يشاهد المسلم إمامه أو إخوانه المسلمين، يقومون بالأعمال الصالحة، فيقتفي أثرهم ويقتدي بهم. ويقف المصلون في المسجد في نظام يتبعون إمامهم، فتتربى الأمة على الاجتماع وعدم التفرق، وطاعة ولي الأمر، وتتعود ضبط النفس، من متابعة الإمام فلا يسبقه المأموم، ولا يساويه ويستشعر الناس بالوقوف خلف إمامهم فيصفوف منتظمة، إئتمامهم بقائدهم في صف الجهاد.

ومن فوائد صلاة الجماعة، مضاعفة الثواب ومحو الذنوب ورفع الدرجات، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه مادام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة" .

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" . والأحاديث في فضل صلاة الجماعة كثيرة.

ووجود الجماعة يدفع كل فرد إلى التنافس في طاعة الله، بزيادة العمل الصالح، والإقبال على الله بصدق واجتهاد، والحرص على أداء الصلاة في وقتها في خشوع وطمأنينة، إلى غير ذلك من الفضائل والأجور التي لا تحصل لمن تخلف عنها

‌‌حكم صلاة الجماعة:


اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، فمنهم من قال: إنها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ومنهم من قال: إنها سنة مؤكدة، ومنهم من قال: إنها شرط لصحة الصلاة.

والصحيح ماذهب إليه القاتلون بالوجوب، لقوة أدلتهم وصراحتها من القرآن والسنة النبوية وأقوال الصحابة.

وصلاة الجماعة واجبة على الرجال وجوباً عينياً حضراً وسفراً للصلوات الخمس، قال الله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} . فلو كانت صلاة الجماعة سنة، لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لسقط فرضها بفعل الطائفة الأولى، فدل ذلك على وجوبها على الأعيان.

قال ابن كثير رحمه الله: "وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك".فإذا كان الأمر بالجماعة في وقت الخوف، والعدو ينازل المسلمين، والمعركة ساخنة، فبديهي أن تكون الجماعة في السلم أولى وأوجب

وجمع الصلاة في المطر، لا يكون إلا لأجل تحصيل الجماعة، وفيه تنضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى، فيؤديها المصلون خارج وقتها المعتاد، والوقت واجب للصلاة، فلو لم تكن الجماعة واجبة لما ترك لها الوقت الواجب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أثقل صلاة على النافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" .

وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم المتخلفين عن صلاة الجماعة بالنفاق، وهم بتحريق بيوتهم عليهم بالنار، والمتخلف عن السنة لا يعد منافقاً، ولو كانت صلاة الجماعة سنة، لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت الجماعة فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وهذا غير حاصل، فدل الحديث على وجوبها على الأعيان.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي رجل أعمى، فقال: يارسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: "فأجب" .

بالرغم من المشقة التي يلاقيها هذا الصحابي، أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بإجابة النداء، فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة.

قال في المغني: "وإذا لم يرخص للأعمى الذي لم يجد قائداً فغيره أولى"ولقد استقر أمر وجوبها عند الرعيل الأول من صدر هذه الأمة.

وعن أبي الأحوص عن عبد الله قال: " … وقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف".وعن أم الدرداء رضي الله عنها، قالت: دخل على أبو الدرداء، وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شيئاً، إلا أنهم يصلون جميعاً".

وسئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، لا يشهد جمعة ولا جماعة. قال: هو في النار".

واحتج بعض أهل العلم، على عدم وجوب الجماعة، بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" . فقالوا: ورد في الحديث لفظ (أفضل) ، والأفضل ليس بواجب، ولكن استدلالهم مردود، لأنه لا يراد به حكم صلاة الجماعة، والمراد به بيان ثواب صلاة الجماعة، لأننا لو فهمنا عدم الوجوب من المفاضلة، لفهمنا عدم وجوب صلاة الجمعة في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 

ولفظ (خير) يفيد المفاضلة، ولم يفهم منه سقوط وجوب الجمعة(أفضل) ، والأفضل ليس بواجب، ولكن استدلالهم مردود، لأنه لا يراد به حكم صلاة الجماعة، والمراد به بيان ثواب صلاة الجماعة، لأننا لو فهمنا عدم الوجوب من المفاضلة، لفهمنا عدم وجوب صلاة الجمعة في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 

ولفظ (خير) يفيد المفاضلة، ولم يفهم منه سقوط وجوب الجمعة ويترتب على قولهم أن من صلى منفرداً لغير عذر شرعي فصلاته باطلة.

ولكن هذا القول ضعيف، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"  والمفاضلة تدل على أن الفضل عليه فيه فضل، ويلزم من وجود الفضل فيه أن يكون صحيحاً، وغير الصحيح لا فضل فيه.

فأجابوا على هذا الرد، بأن هذا الحديث في حق المعذور. ولكن يرد على قولهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مرض العبد أو سافر، كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً".

وإذا كانت الجماعة في حق الرجال واجبة، فهي مباحة في حق النساء، بإذن أزواجهن، يخرجن لها متسترات، غير متبرجات بزينة، ولا متطيبات، يبتعدن عن مخالطة الرجال، ويكن وراء صفوف الرجال.

ويسن للنساء أن يصلين مع بعضهن جماعة منفردات عن الرجال، سواء كانت إمامتهن منهن، أو يؤمهن رجل، لأنهن من أهل الفرض، فيدخلن في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"  وعن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث … كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها.


‌‌مكان تأدية الصلاة:


خص الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بأن جعل لها الأرض كلها مسجداً وطهوراً، بخلاف غيرها، فإنها لا تصلى إلا في الكنائس والصوامع والبيع.

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان … " .

والمراد الأرض الطاهرة المباحة، لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة، والمغصوبة ليست بطيبة شرعاًً.

واستدل فريق من أهل العلم بهذا الحديث، على جواز الصلاة في البيت جماعة، وترك المسجد ولو كان قريباً، وإن كانت في المسجد أفضل، وذهب آخرون إلى أن الصلاة في المسجد من فروض الكفايات، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وجاز لمن سواهم أن يصلي في بيته في جماعة.

والصحيح أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة، ولو أقيمت الصلاة في غير المسجد، فهي صحيحة، وهم آثمون لترك المسجد، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " … ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي

بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار"  والحديث لم يستثن من يصلون في البيوت، فعلم من ذلك وجوب الصلاة في المسجد.

والصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة، ولا ينبغي ترك أدائها في المسجد إلا لعذر، وأما من ذهب إلى أنها في المسجد من فروض الكفاية، فإنه يترتب على قوله هجران المساجد، وربما تركها بالكلية، لاعتماد كل واحد على الآخر في الذهاب إلى المسجد، ثم إن ذلك يتعارض مع النصوص الصريحة، قال الله تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}  وقال سبحانه: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} 

وأما من استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: " … جعلت لي الأرض طيبة طهوراً ومسجداً … "  على جواز الصلاة في كل مكان، والمسجد أفضل، فهذا علم مخصص بالأدلة على وجوب صلاة الجماعة في المساجد.

والأفضل للمسلم أن يصلي في المسجد الذي لا تقام فيه صلاة الجماعة إلا بحضوره، لحصول ثواب عمارة المسجد بإقامة الجماعة فيه، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ} . كمسجد يصلي فيه الناس، فيه رجل إن حضر وصار إماماً، أقيمت الجماعة، وإن لم يحضر تفرق الناس، فلأولى لهذا الرجل أن يصلي في هذا المسجد من أجل عمارته.

ثم الأفضل بعد ذلك صلاة الجماعة في المسجد الذي تكثر جماعته، كأن يكون هناك مسجدان، أحدهما أكثر جماعة من الآخر، فالأولى أن يذهب إليه، لما في الاجتماع من نزول الرحمة والسكينة، وشمول الدعاء، ورجاء الإجابة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بن كعب: " … صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل" والصلاة مع أهل العلم والصلاة مع المحافظين على الطهارة فيه فضل عظيم، قال الله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} .

ثم الأفضل بعد ذلك الصلاة في المسجد القديم، فهو أولى من الجديد مع الاستواء في الكثرة، لأنه معمور بطاعة الله قبل أن يعمر الجديد.

فإذا استويا فيما سبق، فالمسجد الأبعد أولى من الأقرب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى" .

ويرى بعض أهل العلم أن الأفضل عمارة المسجد القريب، إلا أن يمتاز غيره بخاصية فيه، فيقدم، كأهل مكة، فإن صلاتهم في المسجد الحرام أفضل ممن حولهم من المساجد، والمسجد النبوي لأهل المدينة أفضل مما حولهم من المساجد، والمسجد النبوي لأهل المدينة أفضل مما حولهم من المساجد.

ويحمل الحديث السابق على المسجد الذي ليس هناك أقرب منه، سواء أكان أكثر جماعة أم أقل، لما يترتب على ذلك من المصالح، ثم يليه الأكثر جماعة، ثم يليه الأبعد ثم يليه العتيق، لأن تفضيل المكان بتقديم الطاعة فيه ليس له دليل بين.

صلاة الجماعة في دائرة العمل: في كثير من الدوائر الحكومية يكون لهم مصلى خاص تقام فيهم الجماعة، والمساجد حولهم، فما حكم صلاتهم في المصلى؟

فإذا كان المسجد قريباً، فالواجب عليهم أداء الصلاة فيه، أما إذا كان بعيداً، أو قريباً وخيف تعطل العمل، لكثرة المراجعين، أو حيف عدم انضباط العاملين إذا خرجوا للصلاة بأن يذهبوا إلى بيوتهم أو لا يرجعوا، فلا حرج في الصلاة حينذ في مصلى العمل.

ولعلاج هذه المسألة، ينبغي أن يجعل في الدوائر الكبيرة مسجداً لعموم الناس، له باب على الشارع، تقام فيه الصلوات الخمس‌‌أحكام تتعلق بصلاة الجماعة:

لا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب، إلا بإذن الإمام أو عذره - عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " … ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه" ، لما يؤدي ذلك إلى إشاعة الفوضى والتنازع والفرقة، والإساءة إلى الإمام الراتب والتنفير عنه.

ولكن يبقى حكم صلاة من صلى بدون إذن الإمام أو عذره، وفي ذلك قولان لأهل العلم:

الأول: أنهم آثمون ولا تصح صلاتهم وعليهم إعادتها.

والثاني: صحة الصلاة مع الإثم وهذا هو الصواب.

لأن تحريم الإمامة في مسجد له إمام راتب بلا إذنه أو عذره، لا يستلزم عدم صحة الصلاة لأن هذا التحريم يعود إلى معنى خارج عن الصلاة، يعود إلى الافتيات على الإمام، والتقدم على حقه، فلا ينبغي أن تبطل الصلاة، لأنها وقعت في جماعة وعلى الوجه المشروع، فالأصل الصحة لكن مع التحريم.

 ويسن لمن سبق له أن صلى، ثم حضر إقامة الصلاة نفسها في مسجد أو مصلى آخر، يسن أن يصلي مع الجماعة. وتكون الأولى في حقه هي الفريضة، والثانية نافلة، لما روي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

"صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم فصل، ولا تقل إ، ي قد صليت فلا أصلي" . ولا يلزمه إتمامها إذا أدرك منها ركعتين، وذلك إذا كانت ثلاثية أو رباعية فإن كانت ثنائية فإن، أدرك منها ركعة أتمها ركعتين، وإن أتم فهو أفضل، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: " … فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا"  ولا يستثنى من ذلك صلاة دون صلاة، ولا يسن قصد المساجد للإعادة، لأن هذا ليس من عادة السلف، ولو كان من أمور الخير لسبقنا إليه الصحابة رضوان الله عليهم. وهكذا يحرص الإسلام على وحدة المسلمين في المظهر والمخبر، لما في ذلك من الخير والفضل.

وإذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة، فلا يجوز الشروع في نفل مطلقاً، لما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" والحكمة من ذلك، هو أن لا يتشاغل الإنسان بنافلة يقيمها وحده والناس في فريضة، يؤدونها جماعة.

والمراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة " على الصحيح، ابتداء صلاة والشروع فيها، لأن، الوقت بالإقامة للفريضة، والنهي للتحريم، فإن أقيمت الصلاة والمصلى في نافلة قد أحرم بها من قبل، أتمها خفيفة من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة، ما لم يخش فوات الجماعة، لقول الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، فإن خشي فوات الجماعة، قطع النافلة من أجل اللحاق بالفرض

وتدرك صلاة الجماعة، بإدراك ركعة من الصلاة، على الراجح من قولي العلماء، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" 

أما دون الركعة، فلا تدرك به الجماعة للنص في هذا الحديث، وللقياس على من أدرك دون الركعة من صلاة الجمعة، فإنه يلزمه أن يتمها ظهراً لكونه غير مدرك لهاا





المصادر


الكتاب: الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم

المؤلف: أ. د / عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

الناشر: مدار الوطن للنشر








reaction:

تعليقات