القائمة الرئيسية

الصفحات

صلاة الجمعة،‌‌حكم صلاة الجمعة،‌‌فضل يوم الجمعة:

صلاة الجمعة،‌‌حكم صلاة الجمعة،‌‌فضل يوم الجمعة:








صلاة الجمعة،‌‌حكم صلاة الجمعة،‌‌فضل يوم الجمعة:

















صلاة الجمعة:وسميت بذلك لجمعها الخلق الكثير، أو من أجتماع الناس لها، أو لأن آدم خلقه الله فيها أو لما جمع فيها من الخير.. وهي من أوكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين.


حكم صلاة الجمعة:


وهي واجبة وفرضها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، يصليها المسلمون ركعتين جماعة، وهي فرض عين، والظهر عوض عنها إن فاتت لعذر.

من القرآن: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .

فأمر بالسعي، ويقتضي الأمر الوجوب، ولايجب السعي إلى واجب،

ونهي عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة، لما نهى عن البيع من أجلها.

ومن السنة: عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رواح الجمعة واجب على كل محتلم" ، وعن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما

سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" ، وعن أبي الجعد الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه" .

والإجماع: حكى ابن المنذر العربي الإجماع على أنها فرض عين

على من تجب الجمعة؟ ولا تجب إلا على من اجتمعت فيه شرائط ثمانية: الإسلام، والبلوغ، والعقل، لأنها

من شرائط التكاليف بالفروع، والذكورية، والحرية، والاستيطان، لما روى طارق بن شهاب قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض "  ولأن المرأة ليست من أهل الجماعات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم جمعة، فلم يصل جمعة … ، ولأن العبد مملوك المنفعة محبوس على سيده، أشبه المحبوس بدين،

السابع: انتفاء الأعذار المسقطة للجماعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة، الثامن: أن يكون مقيما بمكان الجمعة أو قريب منه.

فلا تصح الجمعة من الكافر ولا المجنون، ولو أدياها لم تنعقد بهما، لكونهما ليسا من أهل العبادات، وتجب وتنعقد بالبالغ الذكر الحر

المستوطن، ولا يؤم من أخل بشرط منها لسقوط الوجوب عنه، وكذا لا تنعقد بمن أخل بشرط منها، لأن سقوطها رخصه في حقهم كالصبي والمرأة والعبد والأمة والمسافر، فإن أدوها أجزتهم.

وإنما تجب عند انتفا الأعذار، فلو تكلف المريض الحضور وجبت عليه وانعقدت به، لأن الرخصة لرفع المشقة ‘ وبحضوره زالت المشقة وارتفعت الرخصة.

والاستيطان شرط للانعقاد، فأهل البادية الذين يطلبون المرعى تصح منهم ولا تنعقد بهم.

قال السيوطي: الناس في الجمعة أقسام:

الأول: من تلزمه وتنعقد به، وهو كل ذكر صحيح، مقيم مستوطن مسلم بالغ عاقل حر، لاعذر له.

الثاني: من لا تلزمه ولا تنعقد به، ولكن تصح منه، وهم: العبد والمرأة والخنثى والصبي والمسافر.

الثالث: من تلزمه ولا تنعقد به، وذلك اثنان: من داره خارج البلد، وسمع النداء، ومن زادت إقامته على أربعة أيام وهو على نية السفر.

الرابع: من لاتلزمه وتنعقدبه: وهو المعذور بالأعذار السابقة.

حكمة مشروعية صلاة الجمعة:

شرع اجتماع المسلمين فيه لتنبيههم على عظم نعمة الله عليهم

وشرعت فيه الخطبة لتذكيرهم بتلك النعمة، وحثهم على شكرها، وشرعت فيه صلاة الجمعة في وسط النهار؛ ليتم الاجتماع في مسجد واحد.

وفي هذا الاجتماع الأسبوعي تعليم وتوجيه وموعظة وتذكير، وتجديد للبيعة، وإحياء لعاطفة الأخوة، وتركيز للوحدة، وإظهار للقوة.

وفي يوم الجمعة خلق الله آدم، عن عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق ادم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" .

والإنسان ما خلق إلا للعبادة، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، فناسب أن يتفرغ الإنسان فيه من هموم الدنيا وشواغلها، ويشتغل بالعبادة والشكر للخالق، وليكون وقفة مع النفس يتذكر فيها المبدأ والمعاد

‌‌فضل يوم الجمعة:


قال ابن القيم: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء: هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين: هما وجهان لأصحاب الشافعي.

وجوب اجتماع المسلمين فيه وأداء صلاة الجمعة، ومن تركها من غير عذر ختم الله على قلبه بالجهل والجفاء والقسوة والإقفال، وكان من الغافلين.

وفيه ساعة إجابة، وهو يوم عيد يتكرر كل أسبوع، عن أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لايسأل الله فيها العبد شيئا إلا أعطاه، ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة".

قال ابن القيم: وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجره بسورتي [ألم تنزيل]  و [هل أتى على الإنسان] ، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنما

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة، لأنهما تضمنتا ما كان ويكون في يومها، فإنهما اشتملتا على خلق آدم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، وكان في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه ويكون.

وقد استحب بعض أهل العلم قراءة سورة الكهف في يومه، مستدلين بما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين".

يستحب فيه وفي ليلته كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا الصلاة على يوم الجمعة وليلة الجمعة" .

الأمر بالاغتسال فيه، وهو سنة مؤكدة، وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي والإثبات، والتفصي بين من به رائحة يحتلج إلى إزالتها، فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه، فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد.

ويستحب التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع، والتجمل والسواك، لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك

ويمس من الطيب ما قدر عليه"، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} .

وروي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة" .

ويستحب التبكير إلى المسجد فيه لصلاة الجمعة لغير الإمام، والاشتغال بالصلاة النافلة، والذكر، وقراءة القرآن، حتى يخرج الإمام للخطبة.

ويجب الإنصات للخطبة إذا سمعها، فإن ترك الإنصات كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له، لما رواه علقمة قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس يجلسون من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات، الأول والثاني والثالث، ثم قال: رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد" .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" .

وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فإذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت" .

وقد بسط القول في فضل الجمعة وخصائصها، العلامة ابن القيم في زاد المعاد

‌‌آداب المشي إلى صلاة الجمعة:


إذا كان يوم الجمعة قد خص بكل هذه الخصائص، فلله در من تنبه إلى عظيم الفضل، فسعى لينال الأجر، ولم يغلبه الكسل والغفلة فسارع إلى التوبة.

 وينبغي لمن أم المسجد ليصلى الجمعة أن يتطهر، لقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، وأن يكون على أحسن حال وأبهى صورة من النظافة والتزين والتطيب، وأن يلبس من ثيابه أحسنها، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ، ثم يخرج وعليه السكنية والوقار، ولا يشبكن بين أصابعه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة " .

ولما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ويلبس من أحسن ثيابه، ثم يخرج وعليه السكنية، حتى يأتي المسجد ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى

يصلى، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى" 

وينبغي أن يسعى الإنسان إلى الصلاة للأمر به، وقد اختلف العلماء في معنى السعي في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}  على ثلاثة أقوال:

الأول: أن المراد به النية، أي سعي القلوب، وهي أول السعي ومقصوده الأكبر.

والثاني: أنه العمل، أي فاعملوا ما تستعدون به للمضي إلى ذكر الله من اغتسال وتمشط وادهان وتطيب وتزين باللباس.

والثالث: أن المراد به السعي على الأقدام، وهو الأفضل، لكنه ليس بشرط، قال ابن العربي: "وظاهر الآية وجوب الجميع، لكن أدلة الاستحباب ظهرت على أدلة الوجوب".

ويجب أن يتجنب الإنسان الروائح الخبيثة قبل ذهابه إلى المسجد، لما روى عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" ومن المشابه للثوم والبصل الكراث والفجل، ونحو ذلك مما له رائحة كريهة تؤذي الملائكة والمصلين، ويدخل في ذلك دخولا أولياء ما حرمه الله من الخبائث كالدخان وغيره

 ويشرع له تنظيف الفم، وتخليل الأسنان حتى تكون رائحة فمه طيبة ولما روي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تسوكوا، فإن السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي" 

وينبغي أن يقول ما ورد من الدعاء، عند الخروج من بيته، ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت" فتتنحى له الشياطين فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفى ووقي؟ " .

وعن أم سلمة قالت: "ما خرج النبي صلى الله علية وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو اجهل أو يجهل علي" .

فإذا بلغ المسجد قدم اليمنى ودعاء بالمأثور، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال: قط؟قلت: نعم قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم".
وإذا أراد الخروج قدم اليسرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" 2 فإذا دخل لا يتخطى رقاب الناس ولا يضيق على أحد في الصف أو ينازعه مكانه فإذا بلغ موضع جلوسه ألقى السلام على قريب منه ولا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد لما روي عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".

ويجلس في الصف الأول بلا مزاحمة فإن لم يجد فالذي يليه، وميامن الصفوف أفضل عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"  فإذا جلس كره تشبيك أصابعه لأنه في صلاة وفرقعتها، ولا يتنخم، ولا يبصق، وينبغي أن ينشغل بذكر الله

‌‌شروط صحة الجمعة:


  1.  الوقت: قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتا} فلا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعده بالإجماع، وآخر وقتها آخر وقت الظهر بغير خلاف.وأداؤها بعد الزوال أفضل وأحوط لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" .وهذا هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر الأوقات أما أداؤها قبل الزوال فمحل خلاف بين أهل العلم
  2.  الجماعة: فلا تصح من منفرد لما روي عن طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في الجماعة..." .وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة خلاف كثير بين أهل العلم وأصح ما قيل في ذلك ثلاثة: الإمام واثنان معه فإذا وجد في القرية ثلاثة رجال مكلفون أحرار مستوطنون أقاموا الجمعة ولم يصلوا ظهرا لأن الأدلة الدالة على شرعية صلاة الجمعة وفريضتها تعمهم.واشتراط الأربعين لإقامة صلاة الجمعة قال به جماعة من أهل العلم منهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والقول الأرجح جواز إقامتها بأقل من أربعين وأقل شيء ثلاثة كما تقدم … والحديث الوارد في اشتراط الأربعين ضعيف كما أوضح ذلك الحافظ بن حجر في بلوغ المرام.قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "تنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء".وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم … "  وأما ما روي من قول جابر "مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة" فلم يصح ولأن الأصل وجوب الجمعة على الجماعة المقيمين فالثلاثة جماعة تجب عليهم الجمعة ولا دليل على إسقاطها عنهم، وإسقاطها عنهم تحكم بالرأي الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا جماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح
  3.  الاستيطان: قال شيخ الإسلام: كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب لا يظعنون عنه شتاء ولا صيفا تقام فيه الجمعة إذا كان مبينا بما جرت به عادتهم: من مدر أو خشب أو قصب أو جريد أو سعف أو غير ذلك فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين ليسوا كأهل الخيام والحلل الذين ينتجعون في الغالب مواقعالقطر ويتنقلون في البقاع وينقلون بيوتهم معهم إذا انتقلوا وهذا مذهب جمهور العلماء.والإمام أحمد علل سقوطها عن البادية لأنهم ينتقلون.ولذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بجمعة.
  4.  أن يتقدم صلاة الجمعة خطبتان وقد واظب النبي صلى الله عليه مسلم عليهما وقال ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن" وقالت عائشة رضي الله عنها: "إنما أقرت الجمعة ركعتين من أجل الخطبة"

‌‌شروط الخطبة:


قال ابن القيم: خصائص الجمعة الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده والشهادة له بالوحدانية ولرسوله بالرسالة وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم من بأسه ونقمته ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره فهذا هو مقصود الخطبة والاجتماع لها.

شروط خطبة الجمعة

  1.  أن تتقدم على الصلاة وهذا هو الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأجمع عليه المسلمون.
  2. النية: لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات.." .
  3.  حمد الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"  وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خطبة كلها بالحمد لله
  4.  ذكر الشهادتين وأوجب شيخ الإسلام وغيره حمد الله والثناء عليه والشهادتين والموعظة في الخطبة
  5.  الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم لأن كل عبادة تحتاج إلى ذكر الله تعالى تحتاج إلى ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم.
  6.  قراءة شيء من القرآن ولو آية لقول جابر بن سمرة: "كانت للنبي على الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهم يقرأ القرآن ويذكر الناس" ويستحب أن يقرأ آيات لما ذكر عنه صلى الله عليه وسلم وللإجماع على مشروعيتها فمما حفظ من خطبته صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر أن يخطب بالقرآن وسورة (ق) عن بنت لحارثة بن النعمان قالت: "ما حفظت (ق) إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها كل جمعة....".
  7.  الوصية بتقوى الله عز وجل، وذكر ابن القيم أن خطبته صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وذكر الجنة والنار وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته وما أعد لأعدائه أهل معصيته ودعوة إلى الله وتذكير بآلائه التي تحببه إلى خلقه وأيامه التي تخوفهم من بأسه، أمرا بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيملا القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وآياته وآلائه وأيامه ومحبة لذكره وشكره فينصرف السامعون وقد أحبوا الله وأحبهم.
  8. حضور العدد المشروط للجمعة لسماع القدر الواجب من الخطبتين من حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم والوصية بتقوى الله عز وجل وقراءة شيء من القران فإن كان هناك مانع من السماع من نوم أو غفلة أو صمم أو بعد صحت.
  9.  الموالاة بين الخطبتين ولا بأس إن فرق بين الخطبتين، بين أجزاء الخطبة الواحدة أو بينهما وبين الصلاة بيسير فإن طال الفصل بطلت، والمرجع في معرفة طول الفصل وقصره إلى العرف والعادة.
  10.  دخول الوقت فلو خطب قبل الوقت وصلى فيه لم تصح لأنهما بدل ركعتين قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ}  قال ابن العربي: "دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء والنداء لا يكون إلا بعد دخول الوقت".
  11.  أن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة بنفسه كأن يكون حرا مستوطنا ويشترط للخطابة ما يشترط للإمامة.
  12.  الجهر بالخطبتين بحيث يسمع العدد المشروط للجمعة فإن جهر الإمام ولم يسمع العدد الذي تجب عليه الجمعة لعذر كغفلة أو نوم أو صمم صحت عن جابر بن عبد لله رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش … "
  13.  الاستيطان فتصح الجمعة في المصر والقرية إذا كان العدد المشروط لها مستوطنين بالمكان، ولا تصح ممن فعل شيئا من الأركان في سفينة مثلا قبل قدوم بلده لعدم الاستيطان.
  14.  وأن تكون الخطبة باللغة العربية فإن عجز عنها يكفي أن تكون الآية فيها بالعربية، وأسقط المالكية الجمعة إن عدم من يحسن اللغة العربية، وأجاز الحنيفة الخطبة بغير العربية، والصحيح أنه إن كان يستطيع الخطبة بالعربية وجب عليه أداؤها بالعربية، فإن عجز أدها بلغته إذ لا تصح بغير العربية مع القدرة

‌‌أركان الخطبة



أركان الخطبتين:


لابد من توفير أربعة أركان في الإسلام في كلا الخطبتين الأولى والثانية:

  1.  حمد الله بصيغة (الحمد لله) ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله.
  2.  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } .
  3.  الوصية بتقوى الله عز وجل، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والحث على الطاعة، والزجر عن المعصية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .

ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم.


ثم طال العهد وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامررسوما تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا، لا ينبغي الإخلال بها، وأخلو بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها. 

‌‌سنن الخطبة:


  1.  أن يخطب على منبر أو نحوه، عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر.."، وذكر ابن القيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ منبر، وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا، وكان منبره ثلاث درجات. قال النووي: استحباب اتخاذ المنبر وهو سنة مجمع عليها.
  2.  أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا صعد المنبر، لما روي عن جابر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم".
  3.  أن يجلس الخطيب قبل الخطبة على المنبر إلى فراغ الأذان، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ، أراه قال: "المؤذن"، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب"
  4.  أن يستقبل الناس بوجهه، لما رواه عدي بن ثابت عن أبيه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم".5-قال ابن حجر: ومن لازم الاستقبال، استدبار الإمام للقبلة، واغتفر لئلا يصير مستدبر القوم الذي يعظهم، ومن حكمة استقبالهم للإمام، التهيؤ لسماع كلامه وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإذا استقبله بوجهه، وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه، كان أدعى لتفهم موعظته وموافقته فيما شرع له القيام لأجله.
  5.  أن يعتمد الخطيب على قوس أو عصا، لأن ذلك من السنن الفعلية، لما صح عن الحكم بن حزن قال: "وفدت إلى رسول الله صلى اله عليه وسلم.. فأقمنا بها أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات..".
  6.  أن يجلس الخطيب بين الخطبتين جلسة خفيفة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين يقعد بينهما " .
  7.  أن يخطب قائماً، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبيصلى الله عليه وسلم يخطب قائماً ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن"، ولقول الله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِماً}.
  8.  أن يقصر الخطبة، لما روى مسلم في صحيحه عن عمار قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً"
  9.  أن تكون الخطبة الثانية أقصر من الأولى كالإقامة مع الأذان.
  10.  أن يرفع صوته بالخطبة فوق القدر الواجب حسب إمكانه، لما روي عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم..".
  11.  أن يدعوا للمسلمين والمسلمات ولنفسه والحاضرين، لجوازه في صلاة الجنازة وغيرها، ففي الخطبة أولى.
  12.  أن يكون في خطبته مسترسلاً معرباً، مبيناً من غير عجلة ولا تمطيط، لأنه أبلغ وأحسن.
  13.  أن يؤذن عند الخطبة إذا جلس الإمام على المنبر، لما روي عن السائب ابن يزيد قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبرعلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء"
  14.  إقامة الصلاة مباشرة بعد الفراغ من الخطبتين من غير فصل طويل

‌‌الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها من يستمع إلى خطبة الجمعة:


  1.  إذا قدم المصلي إلى المسجد، لا ينبغي له أن يفرق بين اثنين، لما روي عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر، ثم ادهن أو مس من طيب ثم راح، فلم يفرق بين اثنين فصلى ماكتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" .
  2.  وينبغي له أن ينصت وينتبه ويتهيأ لسماع الخطبة للحديث السابق.
  3.  فإذا هم بالجلوس، لا ينبغي له أن يقيم الجالس ويقعد في مكانه، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما يقول: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه".
  4.  ويكره أن يتخطى الرقاب في المسجد كراهية شديدة، لما روي عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي اجلس فقد آذيت" ، وروى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسر إلى جهنم" .
  5.  وينبغي أن يدنو من الإمام، ويتوجه إليه ويحرص على الصف الأول فالأول، لما ورد في ذلك من الفضل، والأحقية في المكان للسابق في الحضور.قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس لأحد أن يفترش شيئا ويختص به مع غيبته، ويمنع به غيره. هذا غصب لتك البقعة، ومنع للمسلمين مما أمره الله تعالى به من الصلاة. والسنة أن يتقدم الرجل بنفسه، وأما من يتقدم بسجادة فهو ظالم، ينهى عنه، ويجب رفع تلك السجاجيد، ويمكن الناس من مكانها.
  6.  ولا يجوز الكلام والإمام يخطب، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت" . وأنصت: أمر بمعروف، ولكنه في هذا المقام: لغو، أي إثم. فغير ذلك من الكلام أبلغ في الإثم إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيسن له ذلك إذا سمعها من الخطيب، بحيث لا يرفع بها صوته، حتى لا يشغل غيره، وكذا يسن لسامع الخطبة أن يؤمن على دعاء الخطيب من غير رفع الصوت. فإنغلبه العطس حمد الله سرا، بينه وبين نفسه.ولا يشرع تشميته لوجوب الإنصات، فكما لا يشمت العاطس في الصلاة، كذلك لا يشمت العاطس في الخطبة.

ما يكره في خطبة الجمعة 

  1.  ويكره إذا جلس والإمام يخطب أن يضيق على من قاربه، بأن يتكئ أو يمد رجليه أو يلقي يديه خلفه، فيأخذ أكثر مما يأخذ الجالس، إلا أن يكون به علة فلا بأس. فإن تنحى بعيدا عن موضع الزحام كان أفضل، لما في ذلك من راحة بدنه من غير تضييق على الناس.
  2. ولا يجوز إلقاء السلام لمن دخل والإمام يخطب، بل ينتهي إلى الصف بسكينة ووقار، ويصلي ركعتين خفيفتين، ثم يجلس منصتا للخطبة، ولا يجوز له مصافحة من بجواره، فإن سلم بقوله "السلام عليكم"، فقد لغت جمعته وحرم أجرها، ولا يجوز رد السلام عليه، فإن صافح من غير كلام كره لتنافيه مع التهيؤ والإنصات للخطيب، ولا تلغو جمعته.
  3.  ولا يجوز لمن يسمع الخطبة أن يمس الحصا، ونحوه، من العبث بلحيته أو ثوبه أو غير ذلك لتنافيه مع الخشوع، لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "..ومن مس الحصا فقد لغا " .
  4.  ولا ينبغي لمستمع الخطبة أن يلتفت يمينا وشمالا، ويشتغل بالنظر إلى ما حوله، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتجهون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حال الخطبة، لما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: " كانالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم"

 ولا بأس بالكلام قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين لمصلحة، فإذا كان الكلام في حق من يسمع خطبة الجمعة لغو، فهو جائز في حق الخطيب، وقد ذكرابن القيم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين، لما روي عن جابر بن عبد الله قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: "أصليت " قال: لا، قال: " فصل ركعتين ".

ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، لما روي عن عبد الله بن بسر قال: كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة، فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي اجلس فقد آذيت" .

وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض أو السؤال من أحد أصحابه

فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها، كما نزل لأخذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، فأخذهما، ثم رقي بهما المنبر، فأتم خطبته.

وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يافلان

‌‌أحكام تتعلق بصلاة الجمعة:


فإذا فرغ الإمام من خطبة الثانية نزل، فتقام صلاة الجمعة ركعتين إجماعاً، وهي صلاة مستقلة، ينوب عنها الظهر لمن فاتته لعذر.

فإذا أذن لها بين يدي الخطيب حرم البيع استجابة لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} .

قال الشوكاني: "ويلحق به سائر المعاملات".

وقال ابن العربي: "كل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعاً مفسوخ ردعاً".

ولا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبلها فللعلماء فيه ثلاثة أقوال، وهي روايات منصوصات عند أحمد، وأحدها: لا يجوز، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للجهاد خاصة.

ويجهر الإمام في ركعتي الجمعة بالقراءة، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة (الجمعة) ، وفي الثانية بعد الفاتحة بسورة (المنافقون) ، لما رواه مسلم عن ابن أبي رافع قال: استخلف مروان أباهريرة على المدينة، وخرج إلى مكة، فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة (الجمعة) في الركعة الآخرة: {إذا جاءك المنافقون} ، قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة.

ويسن أن يقرأ في الأولى بسورة (الأعلى) ، وفي الثانية بسورة (الغاشية) بعد الفاتحة، لا يقسم السورة بين الركعتين لأنه خلاف السنة.

عن النعمان بن بشير قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، يقرأ بهما في الصلاتين".

بم تدرك الجمعة؟


وتدرك صلاة الجمعة مع الإمام، بإدراك ركوع وسجود من الركعة الثانية لمن فاتته الركعة الأولى، فإن دخل في الصلاة ولم يلحق ركوع الثانية أتمها ظهراً، لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" .

وقاله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" 

السنن الروزاتب في الجمعة:

اختلف أهل العلم في التنفل قبل صلاة الجمعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النبي صلى الله عليه وسلم الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، فما كان يمكن أن يصلي بعد الأذان، لا هو، ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه صلى الله عليه وسلم، ولا نقل عنه أحد أنه صلي في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه صلى الله عليه وسلم فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت، كقوله: "من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت … "، وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد من يوم الجمعة يصلون من حين ما يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلى عشر ركعات، ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة، ومنهم من يصلي ثماني ركعات، ومنهم من يصلي أقل من ذلك.

ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله، وهو لم يبين في ذلك شيئاً، لا بقوله ولا بفعله، وهذا مذهب مالك ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه؛ وهو المشهور في مذهب أحمد، وذهب طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة.
والصواب: أن لا يقال أن قبل الجمعة سنة راتبه مقدرة فإذا دخل المصلي المسجد قبل خروج الإمام للخطبة صلى ما شاء الله له، فإن كان دخوله والأمام يخطب ركع ركعتين خفيفتين قبل جلوسه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" .

أما بعد صلاة الجمعة، فإن صلى في المسجد صلى أربع ركعات، وإن صلى في بيته صلى ركعتين لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه وصف تطوع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين في بيته … ".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً" 

‌‌الأعذار المرخصة في عدم حضور الجمعة:


صلاة الجمعة لا يرخص في عدم حضورها إلا عذر عام أو خاص، وهي أوكد من صلاة الجماعة بإجماع المسلمين على أنها فرض عين، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .

أما الجماعة: فالقول الراجح أنها فرض عين وتسقط الجمعة والجماعة لعذر مما يأتي:

أولا: من الأعذار العامة:


المطر الشديد، والثلج الذي يبل الثياب، والبرد والوحل الذي يشق على الناس المشي فيه، وكل عذر يشق معه أداء الصلاة في المسجد..، لما روي عن نافع أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: "ألا صلوا في الرحال، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال ".

قال ابن بطال: "أجمع العلماء أن التخلف عن الجماعة شدة المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح".

ثانياً: من الأعذار الخاصة:


  1.  المرض الذي يشق على صاحبه لو ذهب يصلي، لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 3 وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصل بالناس" .قال ابن المنذر: "لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض".
  2.  مدافعة أحد الأخبثين، البول والغائط، ويلحق بهما الريح، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان" ، والنفي بمعني النهي، لأن المدافعة تقتضي انشغال القلب عن الصلاة بما يحدث خللا في العبادة، بينما ترك الجماعة خلل في أمر خارج عن العبادة، والمحافظة على ذات العبادة أولى، إضافة إلى أن الاحتباس يضر البدن.
  3.  من يحضره طعام محتاج إليه متمكن من تناوله، للحديث السابق: "لا صلاة بحضرة طعام" .
  4.  الخوف من وقوع ضرر في النفس أو المال أو العرض، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سمع المنادي، فلم يمنعه من إتباعه عذر " قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى" 3، ومن ذلك مرافق المريض أو من يحتضر، يعذر بترك الجمعة ان خشي أن يموت وهو غير حاضر، وأحب أن يبقى عنده ليلقنه الشهاد ملازمة غريم له يطالبه ويؤذيه ولا شيء معه.
  5.  فوات رفقة في سفر طاعة أو سفر مباح، كمن يخشى أن يفوته موعد السيارة أو موعد إقلاع الطائرة، وهذا عذر من وجهين: الأول: فوات مقصده إذا انتظر صلاة الجمعة، الثاني: انشغال القلب كثيراً.
  6. غلبة النعاس، كمن انهمك في عمل أو عاد من سفر فأخذه النعاسفإن صلى على حاله لم يدر ما يقول، فهو معذور، لحديث أبي قتادة مرفوعاً: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها"
  7.  تطويل الإمام في الخطبة والصلاة طولاً زائداً عن السنة، ودليل ذلك ما روى النسائي عن جابر قال: " مر رجل من الأنصار بنا ضحين على معاذ وهو يصلى المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أفتانٌ يا معاذ؟ ألا قرأت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ونحوهما".
  8.  سرعة الإمام بحيث تمنع المأموم من فعل ما يجب، فإن وجد مسجد آخر تقام فيه الجمعة وجبت عليه لزوال العذر.
  9.  أكل ما ينتن الفم، من الثوم والبصل والكراث، ونحو ذلك، مما يؤذي المخاطبين وينفر من آكلها. والنهى عن حضور المسجد ليس لعذر، ولكنه دفع أذيته. لأنه يؤذي الملائكة، ويؤذي بني آدم، عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "..فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" ، أما الأكل فهو حلال بالإجماع.فإن أمكنه إزالة الرائحة من الفم، فيحضر لزوال الأذى، فإن أكل ما ينتن فمه تحايلاً لترك الجمعة، فلا تسقط، ويحرم، لما روي عن أنس أنه سئل عن الثوم، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا" .وكذا من ببدنه أو ثوبه ريح خبيثة لا يسهل عليه إزالته، والمراد بالعذر سقوط الإثم، مع أخذه الأجر كاملاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مرض أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً" أما آكل البصل والثوم، فلا يكتب له أجر الجماعة لأن سقوط الجماعة في حقه لدفع أذاه.
  10.  أن يكون عارياً لا لباس له.قال السيوطي: "كل عذر أسقط الجماعة أسقط الجمعة إلا الريح العاصف، فإن شرطها الليل، والجمعة لا تقام ليلاً".

وقال: "الأعذار المرخصة في ترك الجماعة نحو أربعين".وإذا طرأ بعض الأعذار أثناء الصلاة، أتمها المصلي خفيفة، وإلا خرج منها، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عاتب معاذاً حين أطال صلاته، ولم يعاتب الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذ في سورة البقرة


‌‌حكم صلاة الجمعة خلف المذياع والتلفاز:


دلت النصوص من القرآن والسنة على وجوب أداء الصلاة جماعة، وصلاة الجمعة فرض عين، تجب جماعة في المسجد على كل ذكر صحيح مقيم مستوطن مسلم بالغ عاقل حر لا عذر له، وهي أوكد من الجماعة بإجماع المسلمين، ولا تسقط صلاتها في المسجد إلا لعذر شرعي.

ولكن بعض الناس يقتدون بالمذياع أو التلفاز ظنا منهم أنهم قد أدوا الصلاة الواجبة عليهم شرعا جماعة، في صلاة الجمعة وغيرها، ويفعلون ذلك جهلا، أو تهاوناً وكسلاً.

والصحيح: عدم جواز الصلاة بهذه الصورة، ومن صلى في بيته مقتد بالإمام، يسمع صوتهن طريق المذياع أو التلفاز فصلاته غير صحيحة، فضلاً عن كونه مبتدعاً في الدين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"  مع فساد صلاته، فقد استهان بشعيرة من شعائر الله، ولم يلتزم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القائل: " … وصلوا كما رأيتموني أصلى … "  وفوت على نفسه ما وعد به من الأجر العظيم للسعي إلى الصلاة وشهود الجماعة.

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في هذا الأمر واشتملت على ما يلي

"ولا يجوز للرجال ولا للنساء، ضعفاء أو أقوياء، أن يصلوا في بيتهم واحداً أو أكثر، جماعة بصلاة الإمام، ضابطين صلاتهم معه بصوت الكبر فقط، سواء كانت الصلاة فريضة أم نافلة، جمعة أو جماعة في المساجد على الرجال الأقوياء، وسقوط ذلك عن النساء والضعفاء"


المصادر


الكتاب: الصلاة وصف مفصل للصلاة بمقدماتها مقرونة بالدليل من الكتاب والسنة، وبيان لأحكامها وآدابها وشروطها وسننها من التكبير حتى التسليم

المؤلف: أ. د / عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار

الناشر: مدار الوطن للنشر







reaction:

تعليقات