القائمة الرئيسية

الصفحات

المزايا المضللة في الشعر الحر:

المزايا المضللة في الشعر الحر:







المزايا المضللة في الشعر الحر:







‌‌

شكل الشعر الحر:

تبدو الأوزان الحرة، وكأنها تمتلك مزايا عظيمة تسهل على الشاعر مهمة التعبير، وتهيئ له جوًّا موسيقيًّا جاهزًا يستطيع أن يمنحه قصيدته دونما جهد كبير. والحقيقة أن سرعان ما يكتشفها كل شاعر ناضج لا تخدعه المظاهر، أن ما يبدو لنا أول وهلة مزايا في الأوزان الحرة ينقلب حين نتفحصه إلى مزالق خطرة. وهذه المزالق قادرة على أن تخلق من إمكانيات الابتذال والرخاوة في الشعر الحر ما هو خليق بأن يسبب للشاعر قلقًا محقًّا على شعره. أن أقل تهاون من جانب الشاعر يكفي لدفع القصيدة إلى درك الابتذال وعامية اللين.

المزايا الخادعة في الشعر الحر فيما يلي وهي ثلاث


  1. "أولًا" الحرية البراقة التي تمنحها الأوزان الحرة للشاعر. والحق أنها حرية خطرة. أن الشاعر يلوح معها غير ملزم باتباع طول معين لأشطره، وهو كذلك غير ملزم بأن يحافظ على خطة ثابتة في القافية. فما يكاد يبدأ قصيدته حتى تخلب لبه السهولة التي يتقدم بها، فلا قافية تضايقه ولا عدد معينًا للتفعيلات يقف في سبيله، وإنما هو حر، حر، سكران بالحرية، وهو، في نشوة هذه الحرية، ينسى حتى ما ينبغي ألا ينساه من قواعد، وكأنه يصرخ بآلهة الشعر: "لا نصف حرية أبدا. إما الحرية كلها أو لا! " وهكذا ينطلق الشاعر حتى من قيود الاتزان ووحدة القصيدة وأحكام هيكلها وربط معانيها، فتتحول الحرية إلى فوضى كاملة.
  2. "ثانيًا" الموسيقية التي تمتلكها الأوزان الحرة، فهي تساهم مساهمة كبيرة في تضليل الشاعر عن مهمته. أنها سعلاة الشعر الحر الخفية، وفي ظلها يكتب الشاعر أحيانًا كلامًا غثًّا مفككًا دون أن ينتبه؛ لأن موسيقية الوزن وانسيابه يخدعانه ويخفيان العيوب. ويفوت الشاعر أن هذه الموسيقى ليست موسيقى شعره وإنما هي موسيقى ظاهرية في الوزن نفسه، يزيد تأثيرها أن الأوزان الحرة جديدة في أدبنا ولكل جديد لذة. وعلى هذه الصورة تنقلب موسيقية الأوزان الحرة وبالًا على الشاعر، بدلًا من أن يستخدمها ويسخرها في رفع مستوى القصيدة وتلوينها.
  3. "ثالثًا" التدفق، وهي مزية معقدة تفوق المزيتين السابقتين في التعقيد. وينشأ التدفق عن وحدة التفعيلة في أغلب الأوزان الحرة، فإنما يعتمد الشعر الحر على تكرار تفعيلة ما مرات يختلف عددها من شطر إلى شطر. وهذه الحقيقة تجعل الوزن متدفقًا تدفقًا مستمرًا، كما يتدفق جدول في أرض منحدرة، وهي كذلك مسئولة عن خلوه من الوقفات. والوقفات، كما يعلم الشعراء، شديدة الأهمية في كل وزن، ولا يدرك الشاعر مدىضرورتها إلا حين يفتقدها في الشعر الحر. أنه إذ ذاك مضطر إلى مضاعفة جهده، وحشد قواه لتجنب "الانحدار" من تفعيلة إلى تفعيلة دونما تنفس. ولنلاحظ أسلوب الوقوف في أوزان الخليل ونقارنه بما يقدمه الشعر الحر من إمكانيات في هذا الباب.

شكل البحور الشعرية 

إن البحورالشعرية  الستة عشر ذات الشطرين، تقف عند نهاية الشطر الثاني من البيت وقفة صارمة لا مهرب منها، فتنتهي الألفاظ وينتهي المعنى وتقوم حدود البيت واضحة فتميزه عن البيت التالي 

وكلنا يعلم أن استقلال البيت كان يعد فضيلة القصيدة لدى العرب القدماء، بحيث كانوا يعتبرون "التضمين" عيبًا فادحًا. والتضمين هو ارتباط آخر البيت المقفى بأول البيت التالي إعرابيًّا ومعنويًّا. وهو معيب حتى في شعر الشطرين المعاصر ومنه قول الشاعر بدوي الجبل في مرثيته الجميلة للملك غازي الذي قاوم الاستعمار البريطاني في العراق وتحداه، فقتله نوري السعيد سنة 1939 … قال بدوي الجبل:

خضبت عرة الصباح فقد نـ … ـم عليها بالعطر والتوريد

قدر أنزل الكمي عن السر … ج وألوى بالفارس المعدود

فقد جاءت كلمة "قدر" في أول البيت الثاني مع أنها فاعل الفعل "نم" في البيت الأول، وهذا هو التضمين.

كل هذا جار في شعر الشطرين الخليلي الذي يتمسك أشد التمسك باستقلال البيت. أما الشعر الحر الذي تكون وحدته التفعيلة فإنه يتعمد تحطيم استقلال الشطر تحطيمًا كاملًا، لذلك لا نجد له وقفات ثابتة حتى مع وجود القافية في نهاية كل شطر، وإنما يترك الشاعر حرًّا يقف حيث يشاء.

ومعنى ذلك أن الشاعر، في الشعر الحر، ليس ملزمًا أن ينهي المعنى والإعراب عند آخر الشطر، وإنما يجعل من حقه أن يمدهما إلى الشطر التالي أو ما بعده. وعلى هذا تترك مسألة الوقوف للشاعر يتصرف فيها بما يمليه ذوقه.

 ومن هنا ينهض المشكل. لقد ثبت لنا أن أغلب الشعراء الناشئين الذي نظموا الشعر الحر كانوا دون مستوى هذه الحرية التي أعطيت لهم، فقد راحوا يكتبون بلا توقف، فكان المرء، وهو يقرأ شعرهم يجري في معترك لاهث لا راحة فيه. وما من شك في أن الناضجين من الشعراء يقدرون عظم المسئولية التي تلقيها الحرية على عواتقهم. ذلك أن هذا الوزن الحر لا يقدم أية مساعدة وإنما يقع العبء كله على سياق المعنى، وارتباطات الألفاظ في القصيدة، وليس هذا بالأمر الهين

‌‌نتائج التدفق في الأوزان الحرة:


هذه "التدفقية" التي لاحظناها تؤدي إلى قيام ظاهرتين ملحوظتين في الشعر الحر يمكن أن نعدهما من عيوبه:

أ- تجنح العبارة في الشعر الحر إلى أن تكون طويلة طولًا فادحًا.

وهذا نموذج من قصيدة لبدر شاكر السياب:

وكأن بعض الساحرات

مدت أصابعها العجاف الشاحبات إلى السماء

تومي إلى سرب من الغربان تلويه الرياح

في آخر الأفق المضاء

حتى تعالى ثم فاض على مراقيه الفساح

هذه الأشطر كلها عبارة واحدة، وليست فيها وقفة من أي نوع. وهذا مثال ثان من قصيدة لعبد الوهاب البياتي:

أترى الظلال الهائمات وراءه وعت الغناءفاسترسلت في شبه حلم واستفاقت للمساء

تروي أحاديث الصبيات اللواتي كن يصطدن الرجال

بغنائهن وراء أسوار الليال

العبارة هنا سؤال وبترها خلال القراءة أعسر؛ لأن نبرة التساؤل التي تبدأ بقوله "أترى الظلال" ينبغي ألا تنتهي قبل لفظ "الليال". وهذا الطول في العبارة عيب تساعد عليه طبيعة الشعر الحر، ولا بد للشاعر من الوعي المتصل لكي يتحاشاه. والحقيقة أننا لو تأملنا قيود الأوزان الحرة لوجدناها لا تقل عن قيود أوزاننا القديمة إن لم تزد، فالوقفة اضطرارية في الحالتين وإن اختلفت أسبابها. وذلك أمر يحتم على الشاعر الحر أن يتبع نظامًا صارمًا في صياغة عباراته بحيث يعوض عن القيود الجبرية في نظام الشطرين.

ب- تبدو القصائد الحرة وكأنها لفرط تدفقها، لا تريد أن تنتهي، وليس أصعب من اختتام هذه القصائد. وسبب هذه الظاهرة ما سبق أن نبهنا إليه من انعدام الوقفات. ففي نظام الشطرين تقدم الوقفة القسرية للشاعر مساعدة كبيرة؛ لأنها هي في ذاتها وقفة، فلا يبقى على الشاعر إلا أن يختم المعنى، وهنا تستطيع أية عبارة جهورية قاطعة أن تؤدي المهمة، خاصة في قصائد الوصف والمناجاة ونحوها. أما في الوزن الحر فإن الوقفات الطبيعية معدومة، والشاعر إذا استعمل أشد العبارات جهورية وقطعًا يحس أن القصيدة لم تقف، وإنما استمرت تتدفق، وعليه لذلك أن يستمر في تغذيتها وإطالتها رغم انتهائه مما أراد أن يقول. وتشتد المتاعب في قصائد الوصف والمناجاة لأسباب تتعلق بطبيعة هذه القصائد، ولذلك تصلح الأوزان الحرة للشعر القصصي والدرامي أكثر من صلاحيتها لغيره

‌‌الخواتم الضعيفة للقصائد الحرة:


يلوح لنا من مراجعة الأساليب التي يختتم بها الشعراء قصائدهم الحرة أنهم شاعرون، ولو دون وعي، بصعوبة إيقاف التدفق الطبيعي في الوزن الحر. ولذلك يلجئون إلى أساليب شكلية غير مقبولة يحاولون بها أن يغلبوا تلك الصعوبة.

من تلك الأساليب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها، ونموذجه قصيدة لبلند الحيدري يبدؤها ويختتمها بالمقطع التالي:

يا صدقي

لم لا تحمل ماضيك وتمضي عن طريقي

قد فرغنا وانتهينا

وتذكرنا كثيرًا ونسينا

وليس هذا الاختتام محض صدفة، فالشاعر قد استعمله في قصائد كثيرة غير هذه منها "أعماق" و"ولن أراها" و"حب قديم" و"غدًا نعود" في ديوانه "أغاني المدينة الميتة". ثم إن هذه الظاهرة لا تقتصر على بلند الحيدري، فهي تطل علينا في شعر عبد الوهابالبياتي ونحن نلمحها عند بدر السياب2 وعند شاذل طاقة3. والواقع أن تعاقب اختتام القصيدة بتكرار مطلعها لدى هؤلاء الشعراء جميعًا يشي بأنهم يستشعرون الصعوبة التي أشرنا إليها في اختتام القصائد الحرة فيلجئون إلى هذه الوسيلة الشكلية. والواقع أن هذه الأسلوب ليس إلا تهربًا من الشاعر، يفر فيه من صعوبة الاختتام الطبيعي. وهو إنما يقع في ذلك التهرب تحت ضغط الشعر الحر.

وليس التكرار هنا إلا نوعًا من التنويم يخدر به الشاعر حواس القارئ موحيًا إليه بأن القصيدة قد انتهت.

ومن الأساليب التي يلجأ إليه الشعراء في اختتام القصائد الحرة أسلوب لجأ إليه بدر شاكر السياب في قصيدته "حفار القبول". قال في آخر تلك القصيدة الطويلة:

وتظل أنوار المدينة وهي تلمع من بعيد

ويظل حفار القبول

ينأى عن القبر الجديد

متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور

وقال في خاتمة قصيدة أخرى:

ويلوك ظلك من بعيد وهو يومئ بالوداع

وأظل وحدي في صراع

إني أسمي هذا الأسلوب في الاختتام أسلوب "ويظل.."، وهوليس مقصورًا على بدر السياب، كما قد يظن، فهذه مثلًا خاتمة قصيدة لبلند الحيدري:

ويدور فيها العقربان

تك. تك.

يا للجبان.

يا للجبان متى سيومئ بالوداع؟

وأظل أزحف في صراع

هذه القصائد كلها تختتم بأسلوب "ويظل" وهو أسلوب تنويمي كالسابق؛ لأنه يسلم المعنى إلى استمرارية مريحة وكأن الشاعر يقول لقارئ:

"وقد استمر الأمر على هذا.." وبهذا ينتهي دوره، ويصح للقصيدة أن تنتهي.

وإنما المسئول عن هذا كله هو الطبيعة المتدفقة للشعر الحر. على أن هذه الطبيعة ينبغي ألا تُعفي شاعرًا ناضجًا من إنهاء قصيدته إنهاء فنيًّا مقبولًا

‌‌عيوب الوزن الحر:


إذا كانت مزايا الشعر الحر الثلاث: الحرية والموسيقية والتدفق قد استحالت شراكًا للشاعر، فما بالنا بالعيوب التي يتضمنها هذا الوزن؟ وإنما تنشأ تلك العيوب عن طبيعة الشعر الحر نفسه، وأبرزها عيبان اثنان يتركز كل منهما إلى تركيب التفعيلات في الشعر الحر، وسنقف عندهما فيما يليأ- يقتصر الشعر الحر بالضرورة على عشرة بحور من بحور الشعر العربي الستة عشر، وفي هذا للشاعر غبن يضيق مجال إبداعه.

فلقد ألف الشاعر العربي أن يجد أمامه ستة عشر بحرًا شعريًّا بوافيها ومجزوئها ومشطورها ومنهوكها. وقيمة ذلك في التنويع والتلوين ومسايرة مختلف أغراض الشاعر الكبيرة، بحيث يصبح اقتصار الشعر الحر على نصف ذلك العدد نقصًا ملحوظًا فيه.

ب- يرتكز أغلب الشعر الحر -ثمانية بحور منه من عشرة- إلى تفعيلة واحدة. وذلك يسبب فيه رتابة مملة، خاصة حين يريد الشاعر أن يطيل قصيدته. وعندي أن العشر الحر لا يصلح للملاحم قط؛ لأن مثل تلك القصائد الطويلة ينبغي أن تركز إلى تنويع دائم، لا في طول الأبيات العددي فحسب، وإنما في التفعيلات نفسها وإلا سئمها القارئ. ومما يلاحظ أن هذه الرتابة في الأوزان تحتم على الشاعر أن يبذل جهدًا متعبًا في تنويع اللغة وتوزيع مراكز الثقل فيها، وترتيب الأفكار، فهذه كلها عناصر تعويض تخفف من وقع النغم الممل

‌‌إمكانيات الشعر الحر ومستقبله:


مؤدَى القول في الشعر الحر أنه ينبغي ألا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان؛ لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية. ولسنا ندعو بهذا إلى نكس الحركة، وإنما نحب أن نحذر من الاستسلام المطلق لها، فقد أثبتت التجربة، عبر السنين الطويلة أن الابتذال والعامية يكمنان خلف الاستهواء الظاهري في هذه الأوزان.

والحق أن الحركة قد بدأت تبتعد عن غاياتها المفروضة منذ سنة 1951، ولا نظن هذا غريبًا، ولا داعيًا للتشاؤم. فلو درسنا الحركة من وجهتهاالتاريخية لوجدنا أنها لا تختلف عن أية حركة أخرى للتحرر، سواء أكانت وطنية أم اجتماعية أم أدبية، وفي لتاريخ مئات الشواهد على ثورة الجماعات ومبالغتها في تطبيق مبادئ الثورة وسقوطها في الفوضى والابتذال قبل استقرارها الأخير. ولهذا نحس بالاطمئنان إلى سلامة الحركة، رغم مظاهر الرخاوة والإسفاف التي غمرتها.

وإذا كنت قد تنبأت في سنة 1954 -في مقال لي نشرته مجلة الأديب- بأن حركة الشعر الحر: "ستتقدم في السنين القادمة حتى تبلغ نهايتها المبتذلة، فهي اليوم في اتساع سريع صاعق، ولا أحد مسئول عن أن شعراء نزري المواهب، ضحلي الثقافة سيكتبون شعرًا غثًّا بهذه الأوزان الحرة" 

إذا كنت قد تنبأت بذلك، فأنا أجد نبوءتي تلك قد تحققت بكل حرف فيها. وإذا صح لي أن أطرح نبوءة جديدة، أبنيها على مراقبتي للموقف الأدبي في وطننا العربي اليوم، فأنا أتنبأ بأن حركة الشعر الحر ستصل إلى نقطة الجزر في السنين القادمة، ولسوف يرتد عنها أكثر الذين استجابوا لها خلال السنين العشر الماضية. على أن ذلك لا يعني أنها ستموت. وإنما سيبقى الشعر الحر قائمًا ما قام الشعر العربي وما لبثت العواطف الإنسانية. ولسوف ينتهي التطرف إلى اتزان رصين، ويجني الأدب العربي من الحركة ثمراتها. وأما الشعراء الذين ذهبوا ضحايا لمزالق الشعر الحر، ولا بد لكل حركة ناجحة من ضحايا، فحسبهم أنهم هم الذين أنقذوا الشعر من الهاوية، ولقد أعطونا نماذج للرداءة والتخبط تحمينا من أن نقع في مثلها، فكانوا بذلك خلاص الشعر الحديث دون أن يدروا




المصادر 


الكتاب: قضايا الشعر المعاصر

المؤلف: نازك صادق الملائكة (ت ١٤٢٨هـ







reaction:

تعليقات