القائمة الرئيسية

الصفحات

دلالة التكرار في الشعرالحر


دلالة التكرار في الشعرالحر





التكرار في شعر التفعيلة








لا شك في أن التكرار، بالصفة الواسعة التي يملكها اليوم في شعرنا، موضوع لم تتناوله كتب البلاغة القديمة التي ما زلنا نستند إليها في تثمين أساليب اللغة. فقصارى ما نجد حوله أن أبا هلال العسكري يتحدث عنه حديثًا عابرًا في كتاب "الصناعتين" وكذلك يصنع ابن رشيق في "العمدة".

أما كتاب البديعيات الذكية فقد اعتبروه فرعًا ثانويًّا من فروع البديع لا يقفون عنده إلا لمامًا. ولم يصدر هذا عن إهمال مقصود وإنما أملته الظروف الأدبية للعصر، فقد كان أسلوب التكرار ثانويًّا في اللغة إذ ذاك فلم تقم حاجة إلى التوسع في تقويم عناصره وتفصيل دلالته.

وقد جاءتنا الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتطور ملحوظ في أساليب التعبير الشعري، وكان التكرار أحد هذه الأساليب، فبرز بروزًا يلفت النظر، وراح شعرنا المعاصر يتكئ إليه اتكاء يبلغ أحيانًا حدودًا متطرفة لا تنم عن اتزان. وهذا النمو المفاجئ يقتضي ولا شك نموًّا مماثلًا في بلاغتنا التي لم تعد تساير التطور الجديد في أساليبنا التعبيرية، حتىكادت تصبح تاريخًا فقهيًّا للغة في بعض العصور الأخرى، بدلًا من أن تبقى علمًا متطورًا يخدم اللغة ويعكس أحوالها ويسجل مراحل نموها.

والواقع أن بلاغة أية لغة ينبغي أن تبقى علمًا مطاطًا قابلًا للنمو معها وإلا بعدت الشقة بينهما وانحط شأن البلاغة.

والذي نحاوله في هذا الفصل أن نتناول موضوع التكرار بنوع من الدراسة البلاغية نستند فيها إلى الشعر المعاصر رغبة في الوصول إلى القوانين الأولية التي يمكن تبريرها من وجهة نظر النقد الأدبي وعلم البلاغة معًا، وذلك دون أن نغفل قواعد اللغة القديمة وما تجنح إليه من تحفظ يرمي إلى الاحتفاظ بجوهر اللغة الصافي.

إن أبسط قاعدة نستطيع أن نصوغها بالاستقراء ونستفيد منها هي أن التكرار، في حقيقته، إلحاح على جهة هامة في العبارة يعني بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها. وهذا هو القانون الأول البسيط الذي نلمسه كامنا في كل تكرار يخطر على البال. فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، وهو، بهذا المعنى، ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية كاتبه. وعلى هذا فعندما يقول بشارة الخوري في افتتاحية قصيدة جميلة:

الهوى والشباب والأمل المنشو د 

توحي فتبعث الشعر حيًّا

والهوى والشباب والأمل المنشو د 

ضاعت جميعها من يديا

عندما يقول هذا، فإنه يعبر بالتكرار عن حسرته على ضياع "الهوى والشباب والأمل المنشود" ولذلك يكررها. فالتكرار يضع في أيدينا مفتاحًا للفكرة المتسلطة على الشاعر، وهو بذلك أحد الأضواء اللاشعوريةالتي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها. أو لنقل إنه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة يحاول الشاعر فيه أن ينظم كلماته بحيث يقيم أساسًا عاطفيًّا من نوع ما.

إن هذا القانون الأولي النافذ في كل تكرار يستطيع أن يدلنا على وجه الاختلال في بعض التكرارات غير الموفقة التي نجدها في الشعر المعاصر، ومثالها هذه الأبيات من قصيدة للشاعر عبد الوهاب البياتي:

وخيولنا الخشبية العرجاء كنا في الجدار

بالفحم نرسمها ونرسم حولها حقلًا ودار

حقلًا ودار

إن وجه الاعتراض هنا هو أن "حقلًا ودار" هذه لا تستدعي أية عناية خاصة من الشاعر بحيث يحتاج إلى أن يكررها. فماذا من الغرابة في أن يرسم هؤلاء الأطفال "حقلًا ودار" حول "خيول خشبية عرجاء"؟ إن الخيول تعادل في أهميتها "حقلًا ودار" هذه بحيث لا يعود التكرار مقبولًا. والحق أن القارئ يحس مرغمًا بأن هذا الطفل المتكلم بليد قليلًا بحيث يندهش مما لا يدهش، وهو معنى لا شك في أن الشاعر لم يقصد تصويره في شخصية الطفل، وإنما ساق إليه التكرار غير الموفق. وهكذا نجد السياق في الأبيات لا يستدعي التكرار إلا إذا كان الشاعر يقصد أن يثير به نوعًا من الصدى اللفظي لا أكثر.

وثاني قاعدة نستخلصها هي أن التكرار يخضع للقوانين الخفية التي تتحكم في العبارة، وأحدها قانون التوازن. ففي كل عبارة طبيعية نوع من التوازن الدقيق الخفي الذي ينبغي أن يحافظ عليه الشاعر في الحالات كلها، إن للعبارة الموزونة كيانًا ومركز ثقل وأطرافًا، وهي تخضع لنوع منالهندسة اللفظية الدقيقة التي لا بد للشاعر أن يعيها وهو يدخل التكرار على بعض مناطقها. إن في وسع التكرار غير الفطن أن يهدم التوازن الهندسي ويميل بالعبارة كما تميل حصاة دخيلة بكفة ميزان. ومن ثم فإن القاعدة الثانية للتكرار تحتاج إلى أن تستند إلى وجهة النظر الهندسية هذه، فتقرر أن التكرار يجب أن يجيء من العبارة في موضع لا يثقلها ولا يميل بوزنها إلى جهة ما. يقول بدر شاكر السياب في قصيدة له:

في دروب أطفأ الماضي مداها

وطواها

فاتبعيني اتبعيني

إن التوازن حاصل في هذه العبارة الشعرية، وقد قام على تكرار كلمة "اتبعيني". ذلك أننا هنا بإزاء طرفين متوازنين: "الماضي" الذي يذكره الشاعر ويفزع من انطفائه وتلاشيه: و"المستقبل" الذي يحاول تثبيته ودعمه عندما ينادي حبيبته "اتبعيني". إنه يحس بانطفاء الدروب الضائعة في الأمس فيحاول أن يملك ثباتًا في المستقبل على أساس الحب الإنساني، وبهذا يتم التوازن العاطفي للعبارة. وقد رتب الكلمات بحيث تلائمه هندسيًّا، وذلك بأن أعطى الماضي فعلين قويين هما "أطفأ" و"طوى" فكان لا بد له أن يعطي المستقبل أيضًا فعلين لكي يوحي بقوته إزاء هذا الماضي، ولذلك كرر كلمة "اتبعيني".

ولننظر الآن في نماذج لعبارات شعرية مال بها التكرار وأخل بتوازنها وهدم هندستها: بيت لنزار قباني:

ماذا تصير الأرض لو لم تكن


لو لم تكن عيناك ماذا تصير؟


وبيتان من شعر عبد الوهاب البياتي:

بالأمس كنا - آه من كنا ومن أمسٍ يكون -

نعدو وراء ظلالنا -

 كنا ومن أمسٍ يكون 



وبيت لأحمد عبد المعطي حجازي:


وتضيء في ليل القرى

 ليل القرى كلماتنا

إن هذه التكرارات كلها مختلة، تثقل العبارة ولا تعطيها شيئًا، فلو حذفناها لأحسنَّا إلى السياق وأنقذناه من الاختلال. ذلك أن العبارات هنا لا تستدعي تكرارًا، وإنما رأى الشاعر أن يكرر أي لفظ كان واختاره من وسط العبارة وبتره عن سياقه. والواقع أن أبسط مقومات التكرار أن تكون العبارة المكررة مستقلة بمعناها عما حولها بحيث يصح انتزاعها من سياقها وتكرارها. وهذا ما لا نجده في أي من هذه الأبيات.

إن نزار يكرر "لو لم تكن" وبذلك تفصل العبارة المكررة بين "كان" واسمها، أو لنقل إنه يكرر عبارة ليس فيها لكان اسم ثم يأتي بالاسم بعد التكرار. والبياتي يذهب أبعد فيكرر نصف عبارة لا معنى لها فلا ندري ما المعنى المقصود بالتكرار. ويصنع عبد المعطي ما يشبه هذا إذ يعزل المجرور ويكرره ولو كان كرر الجار والمجرور معًا "في ليل القرى" لكان الأمر أهون، وإن كان ذلك لا ينقذ العبارة من الاختلال.

إن تكرار جزء من عبارة لا تحتم تكراره ضرورة نفسية يقتضيها المعنى لا بد أن يميل بالعبارة، وهذا يعود بنا إلى الهندستين العاطفية واللفظية للعبارة.

هذان القانونان القائمان على الأساس العاطفي والهندسي للعبارة هما الشرطان

الرئيسيان في كل تكرار مقبول، فإذا توافرا صح أن نبدأ فنبحث في الدلالات المختلفة التي يقدمها التكرار فيغني بها المعنى ويمنحه امتدادات من الظلال والألوان والإيحاءات.

وأما من جهة الدلالة فإن شعرنا المعاصر يقدم لنا ثلاثة أصناف من التكرار تخضع كلها للقانونين السالفين: التكرار البياني وتكرار التقسيم والتكرار اللاشعوري. وقد اخترت أن أضع لها هذه الأسماء للتمييز بينها دون أن أقصد أن تكون هذه الأسماء نهائية. إن البحث كله ليس إلا محاولة لاستقراء أساس بلاغي لبعض أساليب الشعر المعاصر نستفيد منها في النقد والتدريس. وأنا أدرك، قبل أي أحد آخر، مدى احتمال الخطإ في الحكم وفساد الاستدلال، غير أن صعوبة المجال لا ينبغي أن توهن عزيمة الناقد، فرب محاولة غير واثقة من نفسها يقوم بها ناقد ما تشق طريقًا لنجاح أكبر قد يتاح لناقد آخر

‌‌التكرار البياني:


هذا الصنف من التكرار أبسط الأصناف جميعًا وهو الأصل في كل تكرار تقريبًا، وإليه قصد القدماء بمطلق لفظ "التكرار" الذي استعملوه. وقد مثل له البديعيون بتكرار {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} في سورة الرحمن. والغرض العام من هذا الصنف هو التأكيد على الكلمة المكررة أو العبارة. فالشاعر مالك بن الريب، وهو يحتضر في مدينة مرو، على مبعدة من أهله في "الغضى" يحس بالحنين إلى دياره وذويه فيكرر لفظ "الغضى" في شبه حمى حتى يبلغ ما كرره خمس مرات في بيتين 


فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه 


 وليت الغضى ماشى الركابَ لياليا


لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى


 مزارٌ، ولكن الغضى ليس دانيا


إن إلحاح هذا الشاعر على كلمة "الغضى" يدل على حرقة الحنين التي تعصف بقلبه ساعة الموت. ومثله العذوبة التي يلوح أن ابن الفارض يحسها وهو في نجواه الصوفية المختلجة بالعواطف حين ينادي:


يا أهل ودي أنتم أملي، ومن


ناداكمو، يا أهل ودي، قد كُفي


إن هذين النموذجين، كسواهما من نماذج الشعر القديم، يعرضان في التكرار أسلوبًا "جهوريًّا" يماشي الحياة العربية القديمة التي كان الشاعر فيها يعتمد على الإلقاء أكثر مما يعتمد على الحروف المكتوبة، والتكرار يقرع الأسماء بالكلمة المثيرة ويؤدي الغرض الشعري. ومن ثم فلا بد لنا من ملاحظة الفرق بين هذه الجهورية وتلك الرهافة والهمس في تكراراتنا الحديثة التي يؤدي بها الشاعر معاني أكثر اتصالًا بخلجات النفس والحواس. لنأخذ مثلًا هذه الأبيات لبدر شاكر السياب:

وكان عام بعد عام

يمضي، ووجه بعد وجه، مثلما غاب الشراع

بعد الشراع … 


فأية حركة ملموسة في هذا التكرار الذي يضع أمامنا شريطًا يتحرك ببطء وتتعاقب في الأعوام كما تتلاشى أشرعة السفن.

وهذا بيت آخر لبدر شاكر السياب يعبر عن حركة مماثلة تزخر بها الكلمات إلى درجة أخاذة:

ودم يغمغم وهو يقطر ثم يقطر

"مات مات":

وليس في إمكان قارئ هذا البيت إلا أن يقف معجبًا بهذا التوازن الهندسي بين "يقطر ثم يقطر" و"مات مات" فكأن كل قطرة من الدم تغمغم "مات مات". والواقع أن الفعل "غمغم" نفسه يحتوي في داخله على تكرار لحرفي الغين والميم. وذلك لا ريب جزء غير واعٍ من البناء الهندسي المحكم للبيت. إنه مثال جيد لتكرار ناجح، فلو حذفنا منه التكرار لأسأنا إلى البيت وقضينا على هذه التعبيرية العالية فيه.

هذا إذن هو التكرار الذي يصور "حركة". ومن معاني التكرار البياني: "التردد" ومن أطرف نماذجه بيت لنزار قباني من قصيدة "الفراء الأبيض" يخاطب به قطة:

يا … يا مزاحمة الذئاب … أرى

في ناظريك طلائع الغزو

إن تكرار حرف النداء "يا" هنا يكاد يكون نكتة لطيفة تعمدها الشاعر فكأنه يريد أن يكون خطابه للقطة مهذبًا مجاملًا، ولذلك يترفق بها قبل أن يناديها "يا مزاحمة الذئاب" فيبدأ بحرف النداء ثم يتردد لحظة متهيبًا، مستجمعًا شجاعته. وهذا نموذج ثانٍ لهذا الصنفصدى هامسًا في الدجى أننا … أننا جبناء

ونموذج ثالث:

وسدى حاولت أن تؤوب … معنا فهي … فهي رفات

وشرط هذا الصنف أن تحتوي الكلمة التي يتردد عندها الشاعر على ما يبرر تحرجه من التلفظ بها، فمن دون الصدمة التي تأتي بها "مزاحمة الذئاب" و"جبناء" و"رفات" يصبح التكرار عقيمًا مفتعلًا. وقد وقع في هذا الافتعال نزار قباني نفسه في قصيدة حديثة له:

لعلك يا.. يا صديقي القديم

تركت بإحدى الزوايا

فإن تكرار "يا" هنا خالٍ من الغرض لأنه ليس من داعٍ قط يجعل هذه الفتاة تتحرج من أن تنادي المخاطب بأنه "صديقها القديم" فهي لا تهينه بالنداء، ولا تبوح بأكثر مما باحت به في القصيدة المكشوفة. فما الداعي إلى تلكؤها؟ والواقع أن من السهل جدًّا أن يقع الشاعر في تكرار لا داعي له سدًّا لثغرة في الوزن، وهو أمر نجد له عشرات الأمثلة المحزنة في شعرنا اليوم، خاصة في الشعر الحر الذي أردنا يوم دعونا له أن نحرر الشاعر من "الرقع" و"العكاكيز" فإذا الحرية الجديدة تزيده التجاء إليها. والشاهد التالي من شعر عبد الوهاب البياتي معروف للمتتبعين:

أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين

عليه -ماتا في طريقهما- السلام


والحق أن البياتي لا يسامح على هذا. فإنه ذو شاعرية غنية لا تبيح له التهاون. ولعل مبالغته في استعمال التكرار في بعض قصائده توقعه في مزالق هو في غنًى عنها. ومثل هذا يقع لكثير من الشعراء الجدد الذين لا يدركون أن التكرار، ككل أسلوب شعري، يجب أن يرد في مكانه من البيت حيث يستدعيه السياق النفسي والجمالي والهندسي معًا وإلا أضر بالقصيدة

‌‌تكرار التقسيم:


وأما تكرار التقسيم فنعني به تكرار كلمة أو عبارة في ختام كل مقطوعة من القصيدة. ومن النماذج المشهورة له قصيدة "الطلاسم" لإيليا أبي ماضي وقصيدة "المواكب" لجبران، و"أغنية الجندول" لعلي محمود طه، و"النهر الخالد" لمحمود حسن إسماعيل. والغرض الأساسي من هذا الصنف من التكرار إجمالًا أن يقوم بعمل النقطة في ختام المقطوعة ويوحد القصيدة في إتجاه معين. وإنما تنصب عناية الشاعر هنا على ما قبل الكلمات المكررة لأن التكرار لم يعد هو المهم في القصيدة بطبيعة كونه يتكرر كثيرًا، وكأن التكرار يفقده "بيانيته" إذا صح التعبير.

ومن هذا الصنف نوع يرد فيه التكرار في أول كل مقطوعة ومنه قصيدة عبد الوهاب البياتي "غيوم الربيع" وقصيدتي "أنا" والتكرار هنا يؤدي وظيفة افتتاح المقطوعة ويدق الجرس مؤذنًا بتفريغ جديد للمعنى الأساسي الذي تقوم عليه القصيدة.

وأكثر ما تنجح هذه القصائد في الموضوعات التي تقدم فكرة أساسية

يمكن تقسيمها إلى فقرات يتناول كل منها حلقة صغيرة جديدة في المعنى. فالتكرار يساعد الشاعر على إقامة وحدات صغيرة في داخل الإطار الكبير.

وأما القصائد التي تقدم فكرة موحدة متسلسلة تبلغ قمة ثم تنحل وتتلاشى فهي تخسر كثيرًا باستعمال تكرار التقسيم، وذلك لأن طبيعة هذا التكرار تتعارض مع الوحدة العامة للقصيدة حتى يكاد كل تكرار يصبح وقفة صارمة لا يستطيع الشاعر تجاوزها. وقد سبق لنا أن وقفنا عند قصيدة بدر شاكر السياب "سجين" التي فشل فيها التكرار فشلًا ذريعًا بسبب لجوئه إلى تكرار التقسيم دونما غرض فني، ودونما مراعاة للوقفات الصارمة التي أحدثها هذا التكرار في المقطوعات في قصيدة كان ينبغي أن تتسلسل وتمتلك ذرة شعورية تصلها دونما تقطيع مفتعل.

ومن الوسائل التي تساعد على تكرار التقسيم وتنقذه من الرتابة أن يدخل الشاعر تغييرًا طفيفًا على العبارة المكررة في كل مرة يستعمل فيها وبذلك يعطي القارئ هزة ومفاجأة. ونموذج هذا قصيدة محمود حسن إسماعيل "خمر الزوال"1وهي تبدأ هكذا:

لا تتركيني في ضلال 

 بين الحقيقة والخيال

إني شربت على يديك

 مع الهوى خمر الزوال

ويرد التكرار في ختام المقطوعة الأولى على النحو التالي:

لا تتركيني زلة في الأرض تائهة المتاب

إني شربت على يديك مع الهوى خمر العذاب

ومما تجدر الشاعر ملاحظته أن التكرار يجنح بطبيعته إلى أن يفقد الألفاظ أصالتها وجدتها ويبهت لونها ويضفي عليها رتابة مملة، ومن ثم فإن العبارة المكررة ينبغي أن تكون من قوة التعبير وجماله ومن الرسوخ والارتباط

بما حولها بحيث تصمد أمام هذه الرتابة. والحق أن التكرار عدو البيت الرديء فهو يفضح ضعفه ويشير إليه صائحًا. وهذه الخاصية المعرقلة "بكسر القاف" في التكرار تصبح أوضح في تكرار التقسيم الذي يختلف عن سائر الأصناف في أنه يتكرر كثيرًا وقد يصبح أشبه بدقات ساعة رتيبة مملة إذا لم ينتبه الشاعر. وخير مثال لهذا التكرار الهزيل الذي ارتكزت إليه القصيدة الخلابة "النارنجة الذابلة" لمحمد الهمشري وقد جرى هكذا:

كانت لنا يا ليتها دامت لنا

أو دام يهتف فوقها الزرزور

فبالمقارنة مع المقطوعات الجميلة التي غصت بها هذه القصيدة الموهوبة نجد البيت المكرر متنافر الحروف رديء السبك بحيث يسيء إلى القصيدة كلها. ومن المزالق التي يقع فيها الشعراء في هذا الباب أن ينتقوا العبارة المكررة على أساس غنائي. وقد صنع علي محمود طه هذا في عدد من قصائده مثل "سيرانادا مصرية"2 حيث كرر هذا البيت:

ألا فلنحلم الآن فهذي ليلة الحب

ومثل "من ليالي كيلوبترا" حيث كرر هذا البيت:

يا حبيبي هذي ليلة حبي

آه لو شاركتني أفراح قلبي

ومثل "أندلسية"حيث كرر هذا الشطر:

فاسقنيها أنت يا أندلسيه 

وكل هذه التكرارات ذات موسيقى تقليدية تنبع من جو عاطفي مصطنع مما يصح وصفه في اللغات الأجنبية بكلمة Sentimental والواقع أن قيام التكرار على أساس غنائي ليس أمرًا مستحبًّا خاصة في تكرار التقسيم الذي يميل بطبعه إلى الغنائية

‌‌التكرار اللاشعوري:


هذا الصنف لم يرد في الشعر القديم الذي وقف نفسه -فيما يلوح- على تصوير المحسوس والخارجي من المشاعر الإنسانية. وشرط هذا الصنف من التكرار أن يجيء في سياق شعوري كثيف يبلغ أحيانًا درجة المأساة.

ومن ثم فإن العبارة المكررة تؤدي إلى رفع مستوى الشعور في القصيدة إلى درجة غير عادية. وباستناد الشاعر إلى هذا التكرار يستغني عن عناء الإفصاح المباشر وإخبار القارئ بالألفاظ عن مدى كثافة الذروة العاطفية.

ويغلب أن تكون العبارة المكررة مقتطفة من كلام سمعه الشاعر ووجد فيه تعليقًا مريرًا على حالة حاضرة تؤلمه أو إشارة إلى حادث مثير يصحي حزنًا قديمًا أو ندمًا نائمًا أو سخرية موجعة. ونموذج هذا التكرار عبارة "أنها ماتت" في قصيدة الخيط المشدود في شجرة السرو. فما كاد بطل القصيدة يسمعها حتى أصابته رجة شعورية أدت إلى أن يصاب بهذيان داخلي واختلاط موقت في تفكيره فراحت العبارة تعيد نفسها في ذهنه كدقات ساعة رتيبة. وإنما تنبع القيمة الفنية للعبارة المكررة، في هذا الصنف من التكرار، من كثافة الحالة النفسية التي تقترن بها.

لقد ورد هذا التكرار اللاشعوري في قصيدة عنوانها "نهاية" لبدر شاكر السياب، وصحبته ظاهرة يصح أن نقف عندها وقفة صغيرة

فمنذ لفت بدر السياب الأنظار إلى هذه الظاهرة بات بعض الشعراء الجدد ملتفتين إليها، وإن كانوا غالبًا لم يفطنوا تمامًا إلى الغرض الفني منها وإنما عدوه فيما يلوح تجديدًا محضًا أو نوعًا من الترف الفني.

استقى بدر السياب عبارته المكررة من كلمة أثبتها نثرًا قبل القصيدة مما قالته له فتاة: "سأهواك حتى تجف الأدمع" ويلوح من القصيدة أن ظروف الشاعر مع قائلة العبارة قد تغيرت وانقلبت حتى باتت العبارة، حين يتذكرها، تبدو له كالسخرية من الحاضر وتخزه في مرارة، ومن ثم فهي تتردد في ذهنه وتلاحقه وتتشكل أشكالًا بين

 "سأهواك حتى سأهواك" 

و

"سأهواك حتى س … " 

و

"سأهواك حتى" و"سأهوا –".

هذه هي الأبيات:

" سأهواك حتى" نداء بعيد

تلاشت على قهقهات الزمان

بقاياه.. في ظلمة.. في مكان

وظل الصدى في خيالي يعيد

"سأهواك حتى … س … " يا للصدى

أصيحي إلى الساعة النائية

"سأهواك حتى" بقايا رنين

تحدين حتى الغدا

"سأهواك -" ما أكذب العاشقين

"سأهوا.." نعم تصدقين!

إن البتر هنا بليغ. ففي مثل هذه الحالات التي نجابهها كلنا أحانًا سواء في حالة حمى عالية تشتت التفكير المنتظم، أو في حالة صدمة عنيفة كوفاة شخص عزيز نفاجأ بها دونما مقدمات … في مثل هذه الحالات يصدف أن

تتردد في أذهاننا عبارة مهمة تنبعث من أعماق اللاشعور وتطاردنا مهما حاولنا نسيانها والتهرب من صداها في أعماقنا. وكثيرًا مما تفقد العبارة المتكررة معناها وتستحيل في الذهن المضطرب إلى مجموعة أصوات تتردد أوتوماتيكيًّا دون أن تقترن بمدلول، ومن ثم فهي تتعرض لأن "تنبتر" في أي جزء منها، فجأة حين ينشغل العقل الواعي بفكرة طارئة يفرضها العالم الخارجي، فتصحي المصدوم من ذهوله لحظات.. ولكن سرعان ما تعود العبارة الدرامية حين يخف الانشغال بما هو خارجي وترن في السمع. أنه تكرار لاشعوري لا يد لنا فيه. وهذا هو الذي يبرر وقوف بدر شاكر السياب عند الألف في كلمة "سأهواك" وكأن الصوت في انبتر فجأة ودُفع دفعًا إلى التلاشي.

على أن السياق الذي وضع فيه بدر تكراره اللاشعوري مفتعل قليلًا والتركيز ينقصه. فالشاعر كما نرى من الأبيات يمتلك من الوعي ما يجعله يرد على العبارة ويناقشها بقوله "نعم تصدقين" "ما أكذب العاشقين" وتعليقاته هذه تبدد الجو اللاواعي الذي يرتكز إليه منطق "البتر". على أن أصالة الابتكار تبقى مع ذلك تطبع الأبيات.

وقد حاول شعراء آخرون تقليد هذا البتر في التكرار أذكر منهم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدة له عنوانها "لعنة الشيطان" يقول فيها:

من يكونان؟ همسة أرجف الليل صداها وانساب في الظلماء

من يكونان؟ من يكو؟ من يـ … واصطكت شفاه على بقايا النداء.

ولعله واضح أن البتر هنا غير مبرر نفسيًّا، فالمفروض أن هذا التكرار يمثل "أصداء" ومن طبيعة الصدى أن يتردد الجزء الأخير منه وحسب لا الأول كما في تردد عبارة الشاعروقد استعمل بلند الحيدري هذا البتر في قصيدة عنوانها "ثلاث علامات" حيث يقول:

وافترقنا

أنا لا أذ ...

نحن لا نذكر أن كنا التقينا

وهو يلوح لنا بترًا ضعيفًا لا يمكن تبريره إلا بفذلكة، وقد تكون للشاعر وجهة نظر خاصة فيه لم نحزرها. إن هذه المحاولات من شعرائنا طيبة من حيث إنها محاولات في طريق وعر لم يسلك، غير أنها أيضًا محاولات متسرعة تسمها اللفظية أحيانًا. وقد يكون التكرار اللاشعوري من أصعب أنواع التكرار إذ يقتضي من الشاعر أن ينشئ له سياقًا نفسيًّا غنيًّا بالمشاعر الكثيفة. فإن الترجيع الدرامي لا يجيء إلا عبر عقدة مركزة تجعل من الممكن أن تفقد عبارة معناها فتروح تكرر في حرية وقد تنبتر وتتشكل بمعزل عن إرادة الذهن الذي يعانيها.

هذه هي الدلالات الثلاث التي صادفتها للتكرار في شعرنا الحديث، وقد تكون هناك دلالات أخرى لم أفطن إليها. وقد يتطور أسلوب التكرار في شعرنا بحيث يغتنى ويمتلك مزيدًا من الدلالات والمعاني فيتاح للبلاغة والنقد أن يضيفا إلى ما جاء في هذا البحث.

ومهما يكن فقد آن الأوان لأن ينتبه بعض شعرائنا إلى أن التكرار، في ذاته، ليس جمالًا يضاف إلى القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعًا بمجرد استعماله، وإنما هو كسائر الأساليب في كونه يحتاج إلى أن يجيء في مكانه من القصيدة وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعثالحياة في الكلمات، لا بل إن في وسعنا أن نذهب أبعد فنشير إلى الطبيعة الخادعة التي يملكها هذا الأسلوب، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية فيه، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري. ولعل كثيرًا من متتبعي الحركات التجديدية في الشعر المعاصر يلاحظون أن أسلوب التكرار قد بات يستعمل في السنوات الأخيرة عكازة تارة لملء ثغرات الوزن، وتارة لبدء فقرة جديدة، وتارة لاختتام قصيدة منحدرة تأبى الوقوف، وسوى ذلك من الأغراض التي لم يوجد لها في الأصل، وهو أمر نأمل أن يتجه نقادنا المتزنون إلى الوقوف في وجهه في حزم وصرامة تكفيان لردعه




المصادر


قضايا الشعر المعاصر 



نازك الملائكة








reaction:

تعليقات