القائمة الرئيسية

الصفحات

خمسة رجال تصدوا لنكبة العرب

خمسة رجال تصدوا لنكبة العرب







خمسة رجال تصدوا لنكبة العرب












‌‌
 خمسة رجال عظام لا أكثر، أحسوا بذبذبة النكبة، فانتفضوا لها، وكان لهم في بقعة من قلب العالم العربي الإِسلامى طريق واضح في البعث والإحياء، دلت عليه كتبهم وأعمالهم دلالة واضحة. لن أستوعب تاريخهم أو آثار كتبهم وأعمالهم، وإنما هي الإشارة والتنبيه لا غير، إلى هذا الإحساس الغامض بالنكبة، وطريقهم الذي سلكوه لدفعها عن بلادهم وأمتهم، بلا تبين واضح للعدو أو للهدف.



هؤلاء الخمسةهم:
  1. عبد القادر بن عمر البغدادي
  2. المرتضى الزبيدى
  3. محمد بن عبد الوهاب
  4. الإمام الشوكانى
  5. الجبرتى الكبير

قبل كل شيء، ينبغي أن نعلم أن حياة هذا العالم العربي الإِسلامى، كانت تسير على نمط مألوف معروف، لا يكاد يستنكره أحد: في العقيدة العامة التيتسود الناس، وفي الدراسة في جميع معاهد العلم العريقة، وفي التأليف والكتابة، وفي حياة الناس التي تعيش بها عامتهم وخاصتهم من تجارة وصناعة. كل ذلك كان نمطًا مألوفًا متوارثًا، فجاء هؤلاء الخمسة ، ليحدثوا يومئذ ما لم يكن مألوفًا، وشقوا طريقًا غير طريق الإلف. وبيان ذلك يحتاج إلى تفصيل، ولكني سأشير إليه في خلال ذكرهم إشارة تعين على تصور موضع الخلاف.


1 - "البغدادي"،

 ولد عبد القادر بن عمر البغدادي ببغداد "1030 - 1093 هـ - 1620 - 1683 م". وفي الثامنة عشرة من عمره، "سنة 1048 هـ" خرج في إتمام طلب العلم، فرحل إلى الشام، ثم فارقها بعد سنتين "سنة 1050 هـ" قاصدا مصر. فلقى بها العلماء وتلقى عنهم وصحبهم، واتسع اطلاعه على ذخائر الكتب القديمة التي لم يكن يعني بها علماء زمانه، وفي سنة 1080 هـ، رحل إلى دار الخلافة بالقسطنطينية، لما فيها من ذخائر الكتب العربية التي حازتها، ولقى بها عالما جليلا، حاز مكتبة عربية من أجل المكاتب، وهو الوزير الأعظم أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله محمد، المعروف بكوبرلى، ولا تزال مكتبته باقية بها إلى يومنا هذا، فأقام مع صاحبه سبع سنوات إلى أن عاد إلى مصر سنة 1092 هـ ثم وافاه أجله في أوائل سنة 1093 هـ.

كان طريق البغدادي واضحا. لم يكن في أيدى طلبة العلم سوى ما ألفوه من كتب الفقه والنحو والبلاغة وحواشيها، فأداه اطلاعه إلى معرفة الضعف الغالب على أهل زمانه، وهجرهم شعر الشعراء الفحول وأخبارهم وتاريخهم. فعمد إلى ما في كتب النحو التي يعرفونها من شواهد الشعر العربي القديم، جاهليه وإسلاميه، فألف ثلاثة كتب تدور كلها على شرح شواهد الشعر، وضمنها روائع الشعر، وأخبار الشعراء، ونوادر التاريخ. فكان ذلك مقدمة لبعث التراث الأدبى وإحيائه، ووضعه بين أيدى الناس .. تتبين ذلك واضحا في كتبه الثلاثة: "خزانة الأدب، ولُب لُباب لسان العرب" .. وهو شرح شواهد الكافية للرضى في النحوعدة مجلدات، وشرح شواهد الشافية للرضى أيضًا، وهو مجلد واحد، وشرح أبيات مغني اللبيب لابن هشام، في عدة مجلدات 



2 - "المرتضى الزبيدى"

 ولد محمد بن عبد الرزاق الحسينى ببلدة بلجرام بالهند "1145 - 1205 هـ/ 1732 - 1790 م" درس العربية وسائر العلوم على علماء الهند. ثم رحل إلى الحجاز "سنة 1163 - 1166، ثم فارقها إلى مصر ولقى مَنْ بها مِنَ العلماء، ونفض ما في مكتباتها من الكتب العتيقة، وبقي بها إلى أن توفي -من سنة 1167، إلى سنة 1205 هـ. ولم يكن طلبة العلم يعرفون من كتب اللغة إلا قليلًا. كالمصباح المنير .. ومختار الصحاح، ثم القاموس المحيط للفيروزبادى على قلة، وكان الزبيدى محيطا بعلوم كثيرة، فكثر عليه طلبة العلم، وأدرك ضعف ما بأيديهم من كتب اللغة، فأراد أن يضع تحت أيديهم كتابا جامعا في اللغة فألف معجمه الكبير "تاج العروس"، وهو شرح لقاموس الفيروزبادى جمع فيه ما تفرق في الكتب، وأشار فيه إلى كثير من دواوين الشعر المحفوظة في المكاتب. وألف لهم أيضًا شرحا على كتاب متداول هو كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالى، فذاع صيته، وطارت شهرته في الآفاق، ووفدت عليه الوفود من بلاد الإسلام كلها، وكاتبه العلماء والملوك من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب والجزائر والسودان. فكان تأليفه وكانت دروسه بعثا للتراث اللغوى والدينى وإحياء لما خفي منه على الناس.

* * *

3 - محمد بن عبد الوهاب" 

ولد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمى النجدى "1115 - 1206 هـ/ 1703 - 1792 م" ببلدة العيينة بنجد، ورحل إلى الحجاز والشام والبصرة، وفتح عينيه على ما يعم نجدا والبلاد التي زارها من البدع التي حدثت، وما غمر العامة والخاصة من الأعمال والعقائد الحادثة، والتيتخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإِسلام الأكبر فلما عاد إلى نجد، لم يقنع بتأليف الكتب. ورأى أن خير الطرق هو أن يتجه إلى عامة الناس في نجد، ليردهم عن البدع المستحدثة، ويسلك بهم طريق السلف في العمل والعقيدة، ولم يزل دائبا في دعوته، يدعو ويعلم ويكتب، حتى استجاب لدعوته أمير بلدة الدرعية بنجد، الأمير محمد بن سعود في سنة 1175 هـ. فمن يومئذ صارت دعوته قوة متحركة فاتحة في قلب جزيرة العرب، وأحدث ظهور هذه القوة رجة شديدة الدوى في جنبات العالم العربي والإِسلامى، وتلفت الناس يمينا وشمالا، في الهند ومصر والعراق والشام وتركيا والمغرب والسودان. ولشدة وقع هذا الدوى وعنفه، انقسم الناس في أمره بين مؤيد له لصواب ما أتى به، ومعارض له لمناقضته الإلف الذي ألفوه .. 

وكاد العالم الإِسلامى كله يتحرك ويندمج بعضه في بعض بكل تراثه الضخم، وبكل مواريث حضارته العظيمة، ولكن كان قدر الله أغلب، وحصرت اليقظة الإِسلامية كلها بلا معين، بين أركان الجزيرة العربية الفقيرة يومئذ، وسدت المنافذ، ومزقت الأوصال، وصار الاندماج حلما من الأحلام، يراود الأمة العربية الإِسلامية إلى يوم الناس هذا.

ذلك، لأن مغل "مغول" العصر الحديث وتتره كانوا أكثر يقظة، وأوضح هدفا، وأسرع حركة، وأغنى غنى، وأقدر على النهب والسلب والفتك والتدمير، وفي أيديهم دستور حضارتهم الذي وضعه الخبيث مكيافيلى ينير لهم طريق العمل.



4 - الإمام الشوكانى"،

 ولد محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكانى ببلدة شوكان، من بلاد خولان باليمن، ونشأ بصنعاء، مقر حكم المذهب الزيدى، وهم ينتسبون إلى "زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه -" .. وهم يعدّون من فرق الشيعة. تفقه الشوكانى على مذهب الإمام زيد، وبرع في علمه حتى آل إليه القضاء والإفتاء ولكنه عندئذ خلع ربقة التقليد، وانتصب للاجتهاد، فزيف ما لا يقوم عليه دليل من الكتاب والسنة، فثارعليه جماعة من المقلدين في ديار الشيعة، فجادلهم وصاولهم، والتزم بعقيدة السلف، وحرم التقليد، وذهب في بيانه مذهب الحافظ ابن عبد البر حيث قال: "التقليد غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع قول القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه. والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه ولا تعرف وجه القول ولا معناه، وتأبى مَن سواه وإن تبيّن لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه، وأنت قد بان لك فساد قوله. فهذا يحرم القول به في دين الله.

فكان قيام الشوكانى، في محيط الشيعة الزَّيدية، صبحا جديدًا يوشك أن يهز قواعد التعصب الذي درج عليه أصحاب المذاهب من أهل السنة، فضلا عن أتباع الفرق المختلفة وعلى رأسها الفرقة الغالية من الشيعة المعروفة باسم "الاثنا عشرية" المكفرة للصحابة وللأمة كلها، باختيارها أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان -رضي الله عنهم-، دون علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

أوجزت القول في هؤلاء الأربعة العظام، لأن استجابتهم للتحدى المبهم كانت مقيدة في كتب خلفوها، أو أعمال كان لها دوى لا تزال آثاره باقية إلى اليوم، ولأن بشائر البعث والإحياء في كتبهم وأعمالهم أظهر من أن تخفي على أحد، ولا يكاد يجادل فيها إلا من وقع في شرك الرفض لماضيه كله، أو من يغمض عينيه ويعمد إلى الاستخفاف بها بلا تدبر، بل بالتهور واللجاجة. وإذا كنا بالأمس منذ قرون قلائل، صرعى غفلة وفي وَسَنٍ غالب، وعلى الأبواب عدو مدرب، كان أكثر يقظة، وأسرع حركة، وأغني غني، وأقدر على السلب والنهب والتدمير والفتك كما وصفت، فنحن اليوم أيضًا صرعى غفلة أبشع من غفلتنا الأولى، لا نكاد نحس كما أحس أسلافنا، والعدو لا على الأبواب، بل هو متغلغل منتشر يسرح في صميم هذا العالم العربي الإِسلامى المترامى الأطراف، وقد تفوق على أسلافه تفوقا لا يكاد يصدق، في اليقظة المفترسة، وفي وضوح الهدف، وفي سرعة الحركة، وفي الغنى الباذخ، وهو أقدر قدرة ضارية على النهب والسلب والتدمير والفتك، ولا يزال بين يديه، بل ملء قلبه وعقله دستورمكيافيلى، وقد اتسع وتطور به ونما واستفحل خبثه، وتوحشت ضراوته، وتشعب شره تشعبا لا يكاد يصدق.

لذلك وجدت أن الرجل الخامس الذي اخترت أن أذكره في الخمسة العظام، يحتاج خبره إلى تفصيل لم أحتج لمثله وأنا أكتب عن أصحابه الأربعة العظام، فقد جاءوا جميعًا يومئذ ليُحدِثوا شيئًا لم يكن مألوفا، ولكى يشقوا بأنفسهم طريقا غير طريق الإلف، ولكنه انفرد عنهم بأن طريقه في عمله كان أخفى من طريقهم، ولأن تقييد عمله بالكتابة كان أشق، ولأن عمله كان تحت بصر العدو وسمعه لم يغفل عنه طرفة عين، فلما انقضّ علينا وظفر بنا، سار بنا مسارًا يزيد عمله علينا خفاء، بل يفضى إلى ما هو أعظم من الخفاء، أي إلى الطمس الكامل لجميع السبل المؤدية إلى استبانة ما كان من عمله، كيف كان؛ وستأتي القصة كلها واضحة إن شاء الله‌‌الفقيه الجليل ورموز التكنولوجيا

تحدث الأستاذ محمود محمَّد شاكر في العدد الماضي من "الهلال" عن "قضية اللغة العربية" وأربعة من كبار العلماء والأدباء والمفكرين الإِسلاميين، كان لهم شأن عظيم في بعثها وإحيائها وحمايتها من أعدائها الغزاة ..

ويكمل الأستاذ شاكر حديثه الشائق، بهذه الصفحات عن "الجبرتى الكبير" والد المؤرخ الجبرتى ..

ويرى الأستاذ شاكر أن للجبرتى الكبير شأنا عظيمًا في العلم والأدب، وأنه أحد الورثة العظام لحضارة الأمة العربية، وتراثها العلمي والأدبى.

* * *



5"الجبرتى الكبير"

 (1): ولد حسن بن إبراهيم بن حسن بن علي الجبرتى العقيلي بالقاهرة "1110 - 1188 هـ / 1698 - 1774 م"، وأصله من بلاد الجبرت، من بلاد الزيلع في أرض الحبشة. جاء جده الأعلى الشيخ عبد الرحمن الجبرتى إلى مصر، في أوائل القرن العاشر الهجرى "سنة 900 هـ، وما بعدها بقليل"، فاستوطن مصر، وصار شيخ رواق الجبرت بالأزهر، وتولى مشيخة الرواق أولاده وحفدته من العلماء من بعده وانتهت المشيخة إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن حسن الجبرتى، فتوفي سنة 1110 هـ بعد شهر واحد من مولد ولده حسن".

كفلت حَسنا جَدته أم أبيه، وكانت موفورة الحظ من الغني، وكان الوصى عليه رجل من ذوى الدين والمهابة، هو الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتى. فما أتم حسن العاشرة من عمره، حتى حفظ القرآن وجَوَّده، ودخل كآبائه في عداد طلبة العلم بالأزهر، فقرأ على أئمة عصره الكبار من العلماء والشيوخ، فأتقن علومالعربية والدين، حتى برع في جميع علوم المعقول والمنقول، وفاق أقرانه، حتى زاحم شيوخ عصره فباحثهم وجادلهم، وصار معدودا في شيوخ الأزهر وعلمائه المتقنين.

كان مما درسه وأجاده من العلوم المألوفة في الأزهر يومئذ علم الجبر والمقابلة والأعداد الصم والمساحة والحساب. ثم علت به همته فتعلم تجويد الخط بجميع أشكاله وصوره، ثم زاد فتعلم النقش على الفصوص والخواتم على أستاذ كبير من أساتذة عصره، ثم زاد أيضًا فتعلّم التركية والفارسية، وقرأ بهما وأقتنى الكتب المكتوبة بهما، وكانت غير متداولة، وفيها التصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل كما سيأتي. . .

وجاءت سنة 1144 هـ، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد صار معدودا في كبار علماء الفقه والعربية وعلم الكلام وسائر العلوم المألوفة في عصره، فحدث تحول غريب جدًا، غير مألوف في حياة أمثاله من الشيوخ يومئذ. وإن لم يفارق طريقه في الفقه والإفتاء وإقراء العلوم المألوفة لعلماء عصره إلى آخر حياته.

شيء غريب غريب! ! في الرابعة والثلاثين من عمره، وبلا سبب ظاهر، بدأ هذا العالم الفقيه الجليل يولى وجهه شطر الرياضيات، فكان في زمانه رجل معروف بمدارستها هو الشيخ محمد النجاحي .. فاتجه إليه ولازمه وقرأ عليه ما كان يحسنه من كتب بعينها، وهي كتاب الرقائق للسبط الماردينى، وكتاب المجيب والمقنطر ونتيجة اللاذقى، وكتاب الرضوانية وكتاب الدر لابن المجدى، ومنحرفات السبط الماردينى، و"إلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي"، كما يقول ابنه الجبرتى المؤرخ.

ولا شك في أن الشيخ حسن لم يكد يفرغ من تحصيل ما عند النجاحي، حتى استقل بأمر نفسه، وأقبل على ذخائر الكتب المحفوظة في مكاتب القاهرة العامرة يومئذ بالكتب، ووقف على أصول كتب الرياضيات وسائر الصناعات بهمة لا تفتر، كما يدل عليه ما سيؤول إليه أمره، ولكن ابنه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى، لم يحدثنا عن ذلك حديثا شافيا، لأنه كان يومئذ نطفه في صلب أبيهفقد ولد بعد ذلك بسنين في سنة 1168، أي بعد أربع وعشرين سنة. ولكنه قال ما يشعر بذلك وسأسوقه بلفظه:

"وإلى هنا انتهت معرفة الشيخ النجاحي .. وعند ذلك انفتح له الباب، وانكشف عنه الحجاب، وعرف السمت والارتفاع، والتقاسيم والأرباع، والميل الثاني والأول .. والأصل الحقيقي والمعدل، وخالط أرباب المعارف، وكل من كان من بحر الفن غارف .. وحل الرموز، وفتح الكنوز، واستخرج نتائج الذر اليتيم، والتعديل والتقويم. وحقق أشكال الوسائط، في المنحرفات والبسائط، والزيج والمحلولات، وحركات التداوير والنطاقات، والتسهيل والتقريب .. والحل والتركيب، والسهام والظلال، ودقائق الأعمال، وانتهت إليه الرياسة في الصناعة، وأذعن له أهل المعرفة بالطاعة، وسلم له عطارد، وجيمشيد الراصد، وناظره المشترى، وشهد له الطوسي والأبهرى "وهما من أئمة علوم الرياضيات القدماء"، وتبوأ من ذلك العلم مكانا عليا، وزاحم بمنكبه العيوق والثريا".

ولا تشغلك الآن هذه الألفاظ الغريبة عنك، فكلها من المصطلحات القديمة المتوارثة في علوم الرياضيات والفلك ورفع الأثقال والكيمياء، وسائر هذه العلوم، التي هجرها أهلها، ولكنها شغلت دوائر العلم في ديار عدوهم قديما وحديثا وإلى هذه الساعة. والأمر على كل حال ظاهر لا خفاء به.

ظل الشيخ حسن فيما بعد سنة 1144 دائبا لا يفتر في كشف اللثام عن علوم مستكنة في بطون الأوراق والكتب، فبعد قليل قدم إلى مصر عالم متضلع من العلوم الرياضية والمعارف الحكمية والفلسفية، "كما يقول ابنه المؤرخ"، هو الشيخ حسام الدين الهندى، فنزل بمسجد مصر القديمة "مسجد عمرو بن العاص - رضي الله عنه -"، واجتمع عليه بعض طلبة العلم، فترامى خبره إلى الشيخ حسن في القاهرة، فذهب إليه للأخذ عنه: "فاغتبط به الشيخ وأحبه، وأقبل عليه بكليته". وذلك بلا شك لما وجد عنده من الفهم بعلوم قل أهلها، وبعد عهدهم بها. فلم يزل به الشيخ حسن حتى نقله إلى داره بالقاهرة وأفرد له مكانا، وأكرمه ورفهه، ثم قرأ عليه أمهات الكتب القديمة في الرياضيات والفلك والجغرافيا وعلمالمساحة والهندسة، وسائر علوم الحكمة. وبقي الحسام الهندى عنده إلى أن عزم على الرحلة عائدا إلى بلاده في الهند.

وبعد قليل قدم إلى مصر من السودان، عالم بعلوم الرياضيات والحكمة، على مذهب المغاربة في هذه العلوم، وسكن أولا بدرب الأتراك في القاهرة، هو العلامة الإمام محمَّد بن محمَّد الغلاتى، فحمله الشيخ حسن إلى داره، وقرأ عليه أصول الكتب التي يحسنها في الرياضيات والآلات وغيرها، وبقي عنده إلى أن مات في داره سنة 1154، وكان قبل موته قد جعله وصيا على تركته وكتبه.
* * *

كانت هذه السنوات العشر، "1144 - 1154 هـ"، هي أخطر السنوات في حياة الشيخ حسن الجبرتى، فإنه سلك كل سبيل، وشقى شقاء طويلًا حتى استطاع بذكائه وإصراره وحسن تصوره لما يعانيه، أن يحل لنفسه رموز الكتب العتيقة وألفاظها، وبهذا الجهد والعنت استطاع أن يكشف اللثام عن أسرار العلوم القديمة التي لم يبق في أهل زمانه من يعرفها معرفة تحقيق صحيح كامل، أو قريب من الصحة والكمال. وينبغي أن نعلم أن هذه الكتب العتيقة كانت، بلا شك، هي السجل الأعظم الذي سطرت فيه أبحاث أسلافنا من علماء الحضارة العربية الإسلامية في عصور ازدهارها. فهي تمثل العلم النظرى من ناحية، والتطبيق العملي الذي أدى إلى ظهور أعظم حضارة باذخة رآها العالم الذي نشأت في قلبه وفي زمانه. وهذا التطبيق العملي، هو وليد العلم النظرى، وهو لب الحضارة ومظهرها الحي، وهو ما يسمونه اليوم "التكنولوجيا".

وسترى بعد قليل، أن الشيخ حسن، لما فرغ من حل هذه الرموز التي تضمنتها ألفاظا الكتب العتيقة، دخل بيديه وبنفسه وبتلامذته في طور آخر، هو طور التطبيق العملي. وعسى ألا يكون تطبيقه الجديد هو التطبيق العملي الأول، ولكنه على كل حال، استطاع أن يستوعب أسرار العلم النظرى ومناهجه ويفهمها فهما دقيقا مقاربا للصواب، ثم انبرى بعد ذلك لتطبيقه، منتفعا بالبقايا الباقية فيزمانه من التطبيق القديم. وهذه البقايا متمثلة في أساتذة كل فن وصنعة ممن حوله من المعاصرين. وهؤلاء الأساتذة هم الذين كانوا يزاولون أعمالهم من طريق التوارث بدقة ومهارة أحيانا، وإن كانوا قد وقعوا في الجهالة، بعد أن انقطع الحبل بينهم وبين تراثهم العتيق المكتوب المسجل، وبلا قدرة أيضًا على أن يسجلوا شيئًا من براعاتهم ومهاراتهم التي اهتدوا هم إليها في خلال التطبيق المتوارث. وذلك لجهل أكثرهم بالقراءة والكتابة، فضلا عن اللغة التي يقيد ببها العلم النظرى الذي قيده بها أسلافهم العظام

المصادر 

مقالات 

محمود شاكر




reaction:

تعليقات