القائمة الرئيسية

الصفحات

النكبات الثلاث التي حلت بالعرب


النكبات الثلاث التي حلت بالعرب






النكبات الثلاث التي حلت بالعرب











مساحة دولة العرب قبل السقوط


نحتاج هنا أن نقف بك وقفة قصيرة المدى، ملتزمًا بالإيجاز، حتى تكون الصورة بعد ذلك واضحة عندك بعض الوضوح.

قامت دولة العرب على أوسع رقعة من الأرض عرفها الإنسان، من حدود الصين إلى الأندلس، ومن حدود الدولة البيزنطة شمالا إلى أواسط قارة أفريقيا وأقصى آسية جنوبا، انتشرت ثقافة واحدة ذات لغة واحدة، تأوى إليها جميع ألسنة أجناسها المختلفة.

 فأقامت هذه الأمة العربية الإِسلامية أعظم حضارة عرفها البشر، منذ عهد الحضارة العربية البائدة التي نسميها اليوم خطأ، حضارة الفراعنة. ومضت عليها خمسة قرون، وحيث سرت في هذه الرقعة المتراحبة، لم تزل تسمع أصوات الأساتذة المعلمين، وصرير الأقلام على الطروس، في كل قرية أو رستاق أو مدينة.

 ولم تزل ترى في كل مسجد أو بناء أو بيت مكتبةً تضم العشرات أو المئات أو الآلاف، أو الآلاف المؤلفة من الكتب المسطورة على اختلاف فنونها. فاجتمع لهذه الأمة من الكتب المدونة، ما لو وضع معه كل ما تركته أمم العالم القديم من الكلام المسطور، ما بلغ ركنا، في غرفة، من قصر فيه مئات الغرف.

وأترفت جماهير من هذه الأمة بغناها وسطوتها وعلمها، فعصوا ربهم في بعض أمورهم به، فسلط عليهم من أنفسهم من سلط، ثم أنذرهم بثلاث نكبات عظام لعلهم يبصرون.

النكبة الأولى:الحملات الصليبية


 زحوف حملة الصليب آتية إلى شمال دولتهم من سنة 489 - 690 هـ / 1095 - 1291 م، حتى سقطت دولتهم بفتح عكا آخر حصن للصليبيين في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 690 هـ.

النكبة الثانية: هجوم التتار والمغول


وجاءت على أثرها وهي جحافل التتر آتية من الشمال الشرقي من سنة 638 هـ "1240 م"، فداست البلاد حتى بلغت وأسقطت الخلافة سنة 658 هـ "1258 م" حتى ارتدت على أدبارها عند عين جالوت بفلسطين سنة 658 هـ "1259 م"، ولكن شرها لم ينقطع جملة واحدة، في قصة طويلة.

النكبة الثالثة الكبرى: سقوط الاندلس


وهي التي استمرت سنوات، حتى زال ملك الإسلام من الأندلس جملة بسقوط غرناطة في أيديهم سنة 897 هـ "1492 م".

وكانت جحافل هذه النكبات الثلاث، جحافل من الجهلة الأغتام الغلاظ، فدمروا وقتلوا ونهبوا، فهدموا الآثار، وأفنوا البشر، وحرقوا الكتب، وأغرقوها في الأنهار، كما هو معروف معلوم.

موجات طاغية من الجهلة المدمرين، استمرت أربعة قرون، تهلك آلافا مؤلفة من العلماء والأساتذة في كل علم وفن، وآلافا أخرى من الكتب في كل علم وفن.

فضلا عما أبادته فتن الباطنية والشيعة وأشباههم في قلب الدولة فضلا عما أبادته المجاعات والطواعين والأوبئة المتتابعة فضلا عن الفقر والجهل الذي كان أثرا لابد منه، بعد هذا السلب والنهب والقتل في هذه الرقعة المترامية الأطراف.

ولكن ما كادت تنقشع بعض سحب النكبتين الأولى والثانية، حتى انتفض العالم الجريح المثخن مرة أخرى، لا من قلبه، بل من عند طرفه الشمالى المزاحم لديار الدولة البيزنطة، أي من حيث انصبت جحافل حملة الصليب من قبل.

فمنذ عهد الغازى عثمان خان "699 - 726 هـ / 1298 - 1326 م"، بدأت تتجمع هناك قوة جديدة، وقلب العالم العربي الإسلامي تمزقه النكبات الصغار المتتابعة. 

وتوطدت أقدام القوة الجديدة في أرض الدولة البيزنطية، حتى بلغت غايتها، فأسقطت الدولة كلها بدخول جيوش الغازى محمد الفاتح القسطنطينية، في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857 هـ/ 29 مايو1453 م واكتسحت هذه القوة قلب أوربة، واتسعت رقعة العالم العربي الإسلامي اتساعا لا مثيل له، ولكن. .

ولكن توالى النكبات الكبار والصغار على مدى أربعة قرون، كان قد قضى على جمهرة العلماء الكبار والأساتذة العظام في كل فن وصناعة، وأوشكت الحضارة أن تبقى بلا قادة من مثقفيها إلا ما قَلَّ.

 ومعنى ذلك أن حبال الصلة بين العقول التي كانت تسجل الثقافة وتنميها وتفسرها. . وبين العقول والأيدى التي كانت تقيم صروح الحضارة، قد بدأت تتهتك وتبلى، فلا الثقافة تمدّ الحضارة بما ينميها من البحث والتنقيب والتمحيص، ولا الحضارة تحرك الثقافة وتغذيها بما يزيد أبحائها وتنقيبها وتمحيصها حدة ونقاء وإشراقا، وكاد يذهب عصر الإبداع.

وبدأ عصر العزلة، عزلة البقية الباقية من العلماء وتلامذتهم، فاقتصروا على محاولة المحافظة على التراث المسجل الذي انتهى إليهم، وعزلة البقية الباقية من الأساتذة الكبار الذين يعملون في بناء الحضارة، فاقتصروا على أن يورثوا تلامذتهم أسرار صناعاتهم وفنونهم بلا كتاب مكتوب. 

وكاد كلاهما يكون بمعزل عن الآخر، بمعزل عن الاستفادة الصحيحة من التراث الكبير المسجل، وعن إمداد التراث المسجل بشيء جديد يحرك المحافطين على التراث المكتوب إلى البحث والتنقيب والتسجيل.

وبتفانى الأجيال جيلا بعد جيل في عصر العزلة، استبهم على المثقفين أنفسهم بعض ما يحافظون عليه من التراث المكتوب، وصار أشبه بالرموز التي تحتاج إلى مفسر، وكذلك تساقط أيضا في توارث الصناعات والفنون جزء مهم من أسرار هذه الفنون والصناعات، وصارت هي أيضا تحتاج إلى مفسر.

 وأوشك اللسان العربي أن يصبح وسيطا غير صالح لإيجاد التفاهم بين الطرفين. ولولا دوى القرآن في الأذان، ولولا كلمة التوحيد التي نزلت في جذر قلوب الأمة رجالا ونساء، لَتَفارَطَ عقد هذه الأمة العظيمة تحت النكبات كما تتفارط حبات عِقد وَهَى سِلْكُه وهلك. وهذا حسبى في هذه الوقفة. وإن كنت أجدني مقصرا.


المصادر 


مقالات 


محمود شاكر




reaction:

تعليقات