القائمة الرئيسية

الصفحات

عقيدة أتباع الديانة الهندوسية

عقيدة أتباع الديانة الهندوسية


دين الحق لا يتنافى ولا يتعارض أبدا مع السنن الكونية لأن مصدرهما واحد، وهو مشيئة الله وحكمه الذي لا معقب له ولا راد لحكمه.

 فمن أراد أن يحارب السنن الكونية باسم الدين كانت عاقبته الهزيمة، ومن الأمثلة على ذلك سنة التزاوج والتناسل التي سنها الله للحيوان والنبات، فمن أراد أن يعطلها زاعما أن تعطيلها من الدين ومما يتقرب به إلى الله يعجز ويقهر، ولا يتم له ما أراد أبدا، ويجني على نفسه وعلى من اتبعه شقاء عظيما في جسمه وعقله دون أن يحصل على طائل، ولا تنحصر الجناية في من انتحل ذلك ولا في أتباعه، بل تعم شعبه.

خرافات نساك الهندوس

زعم النساك من قدماء أهل الهند أن ترك الدنيا والزهد فيها هو الطريق الوحيد الذي يهذب النفس ويزكيها ويرفعها إلى الملأ الأعلى.

ومن أجل ذلك فقد تركوا العمل والتزموا الجوع والعري، واعتزلوا الناس واستوحشوا منهم وسكنوا القفار مع الوحش وهجروا الأمصار وأطالوا الفكرة، وكانت أفكارهم عقيمة، نتائجها سلبية.



عقيدة الهندوس




التناسخ عند الهندوس

يعتقد الهندوس بتناسخ الأرواح، وحاصله أن الأرواح محدودة لا تزيد ولا تنقص، سواء في ذلك أرواح الحيوان الناطق وأرواح الحيوان الأعجم، فمتى مات موجود حي انقلبت روحه من ذلك الجسم الفاني إلى جسم ناشئ يولد ساعة خروجها من الجسم الفاني، فكأنهما كانا على ميعاد، ولما رأوا أن العدالة الربانية التي عليها تقوم السموات والأرض والتي هي مقتضى حكمة الله وعلمه وقدرته، فكروا كيف يكون هذا الجزاء، فلم يجدوا حلا للمعضلة إلا أن يدّعو دعوى خيالية أخرى.

الإنسان يحيا أكثر من حياة

وهي أن جزاء كل حياة من الحيوات التي يحياها الإنسان ويعبر عنها بالتجسدات تترقى فيها الروح في الدرجات العليا، أو تهبط إلى الدركات السفلى، على حسب عملها، فإن عملت في الحياة الأولى أي التجسد الأول عملا صالحا بحسن معاملتها للإنسان والحيوان، وتجنبت السيئات والآثام تنتقل بعد فناء جسمها إلى طبقة من طبقات البشر هي أجل وأعلى من الطبقة التي كانت فيها جزاء حسنا ومثوبة على عملها الصالح في الحياة المتقدمة وتفوز برضوان الآلهة، وإن اقترفت السيئات وخرجت عن شريعة الآلهة تعاقب في حياتها التالية بأن ترجع إلى الدنيا في جسم من طبقة منحطة حقيرة، وإن استمرت في ارتكاب الموبقات يستمر عقابها حتى تصل إلى دركة المنبوذين.

 وإن زادت في غيها تنحط حتى ترجع إلى الدنيا في جسم حيوان شريف كالفرس مثلا، فإن لم تنته عن جرائمها ترجع إلى الدنيا في جسم حيوان حقير، وهكذا دواليك حتى تصل إلى دركة الفيران، وربما انحطت إلى دركة الخنافس.

طبقات الهندوس

والطبقات عند الهنادك كثيرة، أعلاها طبقة البراهمة، فهؤلاء يولدون مقدسين من بطون أمهاتهم، وكل ما عملوه فهو حق، لا تكتب عليهم سيئة واحدة طول أعمارهم، وإذا ماتوا تلتحق أرواحهم بالملأ الأعلى.

وهنا لنا سؤال إذا كان عدد الأرواح محدودا فمن أين يجيء المدد الذي يخلف الطبقة العليا التي لا ترجع إلى الدنيا؟

 وأسفل الطبقات طبقة المنبوذين، ولا يجوز أن تخالط طبقة عالية طبقة أخرى أسفل منها، فلا تؤاكلها ولا تشاربها ولا تجالسها ولا يجمعهما معبد واحد، فكل طبقة لها معابدها، ولا يجوز للطبقة السفلى أن تتزوج بأفراد الطبقة العليا، ولا أن تأكل أو تشرب في آنيتها، ولا أن تمس طعامها.

المسلمون في الهند

والمسلم عندهم يعتبر نجسا إذا مس طعاما تنجس ذلك الطعام، وأذكر أني كنت متجولا في أسواق دلهي عاصمة الهند في أول سفرة سافرتها إلى الهند، فرأيت في حانوت كوما من الزبيب الذي ليس له نوى ويسمى عندهم (كشمش)فأهويت بيدي لألمس ذلك الزبيب، وقبل أن تصل يدي إليه جذبت من خلفي جذبة قوية حتى سقطت على ظهري، فقمت وسألت الطالب الذي كان يرافقني من جذبني؟ فقال لي: أنا جذبتك خوفا عليك من أن تقع في مشكلة عويصة يعسر عليك حلها، انظر إلى صاحب الحانوت فهو غضبان يصيح ويشتم، ولو وقعت يدك عليه لألزمك بثمنه كله.

 وكنت مرة في مدينة بومباي وهي مدينة مشهورة بناحية كجرات، وكان الوقت ليلا فرأيت قلة منتصبة فلمستها بيدي فغضب صاحبها وصاح صياحا كثيرا ورأيته أخذ القلة وصب الماء الذي كان فيها مع أني لم ألمس إلا جانبها، ولا أدري هل كسرها أو انتفع بها بعد غسلها.

 ومما يدل على ذلك أن المتصدقين بالماء البارد من الهنادك في محطات السكة الحديدية يعدون آنية صغيرة بقدر ما يشرب الشخص الواحد من الخزف ويصبون الماء فيها لكل من يحتاج إليه من غير أهل طبقتهم، ومن شرب في إناء منها إن شاء أخذه، وإن لم يرده ألقاه لأن ذلك الهندكي لا يمسه بعد ذلك، فإن انقضت تلك الأواني وجاءه شخص من غير أهل طبقته يصب له الماء في يديه.

هذا كله مع الطبقات المتنجسات تنجسا خفيفا من إخوانهم الهنادك أو من المسلمين والنصارى، 

الطبقة المنبوذة في الهند

وأما الطبقة المنبوذة فأمرها أدهى وأمر، فلا يجوز لأهلها أن يسكنوا في مدينة ولا قرية، وإنما يتخذون أكواخا بعيدة من المدن ويسكنون فيها ويحفرون آبارا يشربون منها وإن كان بقربهم نهر عظيم تسير فيه السفن، لأنهم لا يسمح لهم بأخذ الماء منه لئلا يتنجس، وبحكم هذه العزلة والاستقذار الذي حكمت به الآلهة بزعمهم لا يجد المنبوذون عملا، مع أن عددهم ثمانون مليونا.

 فإن سألت وكيف وبما يعيشون؟ فالجواب أنهم يعيشون بنقل النجاسات من بيوت الخلاء في جوف الليل، ويخرجونها إلى مكان بعيد من المدينة فيحرقونها ويأخذون أجورا على ذلك يأتيهم بها شخص في كل شهر فيعطيهم إياها.

الهنود ليس لديهم مراحيض في بيوتهم

 ولعل القراء الكرام لا يعلمون أن أهل الهند حتى في المدن الكبيرة ليس عندهم مراحيض إلا في النادر، فترى الديار الكبيرة الجميلة من بيوت الأغنياء المترفين فإذا سألت عن بيت الخلاء يدلونك على مكان قد بني فيه شبه الكوانين التي توقد فيها النار، وفي كل واحد منها إناء عليه غطاء يكشفه ويتخلى فيه ثم يغطيه، ولهذاالمكان بابان، باب إلى داخل الدار وباب إلى الشارع، وهذا الباب الذي إلى الشارع له قفل ومفتاح يكون دائما عند المنبوذ ليأتي في جوف الليل ويفتح ذلك المكان ويخرج كل ما فيه ويجعله في عربة النجاسات ثم يغسل الأواني ويردها إلى مواضعها، وهذا شيء عام في جميع بلاد الهند.

المنبوذون أنفسهم يعتقدون أنهم ملعونون

 وسبب منع المنبوذين من دخول المدن نهارا هو نجاسة أجسامهم التي بلغت إلى حد أن ظل المنبوذ لو وقع على طعام لنجسه، وهذا الأمر ليس مفروضا على المنبوذين من قبل الطبقات العليا فقط، بل المنبوذون أنفسهم يعتقدون أنه أمر مبرم حكمت به الآلهة عليهم، للذنوب التي ارتكبوها في التجسدات السالفة ولا مرد لحكمها.

 وقد حاول غاندي أن يغير هذه العقيدة ويطهر المنبوذين وزعم أنه نزل عليه الوحي يأمره بذلك، وقرر القول في مقالات نشرها في الصحيفة التي كان يصدرها واسمها (هرجان) وقال فيها: فإن طلبتم مني دليلا على أن الله أوحى إلي بذلك، أجيبكم ليس عندي دليل ولكني لا أشك في ذلك أبدا، ومع أن غاندي كان من الطبقة المقدسة وهي البراهمة، وكان وطنيا مخلصا متعبدا زاهدا في الدنيا، قضى جل حياته في سجون الاستعمار لم يقبل منه الهنادك هذه الدعوى، لأنها تفسد عليهم دينهم وتأتي بنيانه من القواعد وتجعل عاليه سافله.

 وحاول الدكتور امبدكار وأصله من المنبوذين وقد كفر بعقيدتهم وتعلم حتى حصل على شهادة الدكتوراه، حاول أن يقنعهم ببطلان عقيدة التنجس ويفهمهم أنهم بشر كسائر البشر فلم يفلح، ولا يزال الدعاة من المسلمين والنصارى يدعونهم إلى تغيير عقيدتهم.

جهود المسلمين في محاربة الهندوسية

 فيستجيب لهم من قدر له منهم أن يخرج من ذلك الشقاء، إلا أن دعوة المسلمين أكثر نجاحا، لأن المنبوذ إذا أسلم يمتزج مع المسلمين في الحين ويستطيع أن يخالط جميع المسلمين في مساجدهم ومدارسهم ومجالسهم لا يترفع عليه أحد منهم وإن كان ملكا أو أميرا، أما النصارى فقد يستقذر بعض الأروبيين مجالسة المنبوذين والصلاة معهم في كنيسة واحدة فيأمرونهم ببناء كنائس خاصة بهم.

ومما حدث من قبيل دعوة المسلمين المنبوذين إلى الإسلام أن أحد علماء المسلمين عكف على دعوة جماعة من المنبوذين وأقام عندهم زمانا طويلايشرح لهم فضل الإسلام وبطلان ما هم عليه حتى هداهم الله جميعا فأسلموا واحتفلوا بيوم إسلامهم فخرجوا من أكواخهم رجالا ونساء وصبيانا، وقد حمل كل واحد منهم قلة وانطلقوا إلى النهر وهم يكبرون الله أكبر الله أكبر، حتى ملئوا القلل وحملوها على أكتافهم ورجعوا إلى بيوتهم فرحين مستبشرين، يحمدون الله الذي أزال عنهم تلك اللعنة وطهرهم وهداهم إلى الإسلام.

القرود في الهند 


وقد جرتهم عقيدة التناسخ إلى عقيدة أخرى تضاهيها في الفساد والشر وهي تحريم ذبح الحيوان وأكل لحمه مخافة أن يكون ذلك الحيوان قد حلت فيه أحد أجدادهم، فلا يجوز عندهم قتل أي حيوان وإن كان مؤذيا كالقردة مثلا، ولذلك ترى القردة تسير في مدن الهند أسرابا وتتسلق جدران البيوت وتنزل إلى السطوح وتخيف النساء والصبيان، وتفسد كل ما وصلت إليها أيديها من طعام وثياب وغير ذلك.

 وقد حدث أني كنت في الهند ساكنا في مدينة لكنا وطبعت خمسمائة غلاف بعنواني، وكانت موضوعة في غرفة فجاءت القردة وفتحت نافذة الغرفة فدخلت وأخذ كل واحد منها قبضة يده من الأغلفة وخرجوا بها وألقوها في الهواء، فتشتت في كل مكان من المحلة التي كنت أسكنها، فجمع أهل المحلة ما أمكن جمعه منها وجاءوني به.

 ومن أذاها للناس أنها تجتمع بالمآت عند قبة صنم لتنال من صدقات الزائرين من عباده، أن أردتم أن أصف لكم هذا الصنم، فهو تمثال رجل واقف على قدميه عليه ثيابه وعمامته وله لحية وافرة سوداء ووجهه أبيض مشرب بحمرة يظن الرائي أنه حي، وقد جلس عنده ناسك وهو عريان أسود الجسم نحيله جدا، حتى كأنه هيكل عظمي، فيجيء الزائر ويسجد لذلك الصنم سجدة واحدة ثم يقوم ويقدم النذر أو الصدقة لذلك الناسك وينصرف فيتصدق على القردة بما تيسر له من الطعام.

وهذه القردة تقطع الطريق على المارة فمتى رأت شخصا يحمل طعاما، والعادة جارية بأن الموظفين يبعث إليهم الطعام من بيوتهم وقت الظهر، متى رأت القردة شخصا يحمل طعاما وليس عنده ما يدافع به عن نفسه هجمت عليه وخمشته بأظفارها وانتزعت منه ذلك الطعام.

 ولا يستطيع المسلمون أن يمسوا القردة بسوء خوفا من نقمة الوثنيين الذين يدافعون عن كل حيوان ويمنحونه حمايتهم ورعايتهم مخافة أن يكون أحد أجدادهم قد تقمص جسمه، ولذلك لا يستطيع أحد أن يظهر لحم الحيوان، لأن الهنادك لا يستطيعون رؤيته، ومن أجل ذلك صارت المجزرة في بلدانهم يحيط بها سور، ولكل باب من أبوابها دهليز طويل حتى لا تقع عين هندكي على لحم يقطع أو يباع.

ومما يتصل بهذا ويحسن ذكره هنا عبادتهم للبقرة وتقديسهم لها فمتى بلغهم ولو كذبا أن المسلمين أو النصارى ذبحوا بقرة أعلنوا عليهم الحرب، وأزهقت بسبب ذلك نفوس كثيرة، والبقرة تشعر بذلك فتراها لا تسير إلا في الرصيف، ولا تسير في قارعة الطريق كسائر الحيوان، ومتى مرت بصاحب دكان وقفت ونظرت إليه، فإن كان وثنيا خرج إليها وقدم الحلوى وقبّلها وتمسح بها.

 ومن عادة المتمسكين بالدين عندهم أنهم يخلطون خثي البقرة بتراب مقدس عندهم ويضعونه خطا على جباههم للتبرك والحفظ، أخبرني بذلك المسلمون حين سألتهم عن تلك الخطوط التي كنت أراها على جباه المشركين، وهذه العقيدة ليست قديمة جدا عند الوثنيين من أهل الهند، فقد ثبت في التاريخ أن راما وهو أعظم آلهتهم كان ملكا وكان يصيد الحيوان، وقد بلغ من تعظيمهم لرام أنهم جعلوا اسمه تحية، فمتى التقى اثنان منهم يرمرم كل واحد منهما للآخر بقوله (رام) فيحييه الآخر بمثل ذلك.

أبوالعلاء المعري كان هندوسياً

وكان أبو العلاء المعري على هذه العقيدة، فإنه لم يأكل اللحم أربعين سنة، وزعم أن ذبح الحيوان وأكل لحمه وبيضه وشرب لبنه كل ذلك عدوان وظلم، وهذا يدل على جهله بالسنن الكونية، وذلك أن الله جلت قدرته وبلغت حكمته جعل استمداد الحياة من الحياة، فجعل غذاء الحيوان من الحيوان ومن النبات في البر والبحر ولن تجد لسنة الله تبديلا.

 وكل ما يأكله ويشربه الإنسان والحيوان مملوء بأنواع الحيوان من الجراثيم التي لا ترى بالبصر، فكل حيوان آكل ومأكول، والإنسان الذي هو أشرف الحيوان يأكله الدود، وهو من أحقر الحيوان، وليس في قدرة الإنسان أن يمتنع من استهلاك الحيوان.

 فتورع أبي العلاء عن أكل لحم الحيوان تورع باطل وفلسفة فاسدة، فالأنبياء هم أعلم الناس وأرحمهم وأورعهم كانوا يأكلون اللحم، بل الله وهو أرحم الراحمين أباح لجميع الناس أكل اللحوم والانتفاع بلبن الحيوان وبيضه وصوفه ووبره وشعره وجلده، فمن أراد تعطيل تلك المنافع فقد سفه نفسه وأراد تغيير سنة الله ولن يجد إلى ذلك سبيلا.

 وقد أخبرني المسلمون في الهند أن كثيرا من الهنادك يأكلون اللحم سرا، فيكلفون أصدقاءهم من المسلمين أن يشتروا لهم اللحم ويأتوهم به خفية، وهكذا كل من أراد أن يبدل سنة الله أهلك نفسه ولم يحصل على طائل..


كناطح صخرة يوما ليوهنها 


 فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.








المصادر 


الكتاب: الدين والسنن الكونية

المؤلف: أبو شكيب محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي (ت ١٤٠٧هـ)

الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة




reaction:

تعليقات