القائمة الرئيسية

الصفحات

عمار بن ياسر - بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان

عمار بن ياسر - بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان 







عمار بن ياسر - رجل من الجنة

















 عمار بن ياسر:لو كان هناك أناس يولدون في الجنة٬ ثم يشيبون في رحابها ويكبرون..ثم يجاء بهم الى الأرض ليوكونوا زينة لها٬ ونورا٬ لكان عمار٬ وأمه سمية٬ وأبوه ياسر من هؤلاء..!!

ولكن لماذا نقول: لو.. لماذا مفترض هذا الافتراض٬ وقد كان آل ياسر فعلا من أهل الجنة..؟؟ وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مواسيا لهم فحسب حين قال:" صبرا آل ياسر ان موعدكم الجنة"..بل كان يقرر حقيقة يعرفها ويؤكد واقعا يبصره ويراه..

**

من هو عمار بن ياسر؟

خرج ياسر والد  عمار بن ياسر ٬ من بلده في اليمن يطلب أخا له٬ ويبحث عنه..وفي مكة طاب له المقام٬ فاستوطنها محالفا أبا حذيفة بن المغيرة..وزو جه أبو حذيفة احدى امائه سمية بنت خياط..ومن هذا الزواج المبارك رزق الله الأبوين عمارا..وكان اسلامهم مبكرا.. شأن الأبرار الذين هداهم الله..وشأن الأبرار المبكرين أيضا٬ أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها..!!

ولقد كانت قريش تتربص بالمؤمنين الدوائر..فان كانوا ممن لهم في قومهم شرف ومنعة٬ تولوهم بالوعيد والتهديد٬ ويلقى أبو جهل المؤمن منهم فيقول له:" تركت دين آبائك وهم خير منك.. لنسفهن حلمك٬ ولنضعن شرفك٬ ولنكسدن تجارتك٬ ولنهلكن مالك" ثم يشنون عليه حرب عصبية حامية.

وان كان المؤمن من ضعفاء مكة وفقرائها٬ أو عبيدها٬ أصلتهم سعيرا.

ولقد كان آل ياسر من هذا الفريق..ووكل أمر تعذيبهم الى بني مخزوم٬ يخرجون بهم جميعا.. ياسروسمية و عمار بن ياسر كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة٬ ويصبون عليهم جحيم العذاب ألوانا وفنونا!!

ولقد كان نصيب سمية من ذلك العذاب فادحا رهيبا. ولن نفيض في الحديث عنها الآن.. فلنا ان شاء الله مع جلال تضحيتها٬ وعظمة ثباتها لقاء نتحدث عنها وعن نظيراتها وأخواتها في تلك الأيام الخالدات..وليكن حسبنا الآن أن نذكر في غير مبالغة أن سمية الشهيدة وقفت يوم ذاك موقفا يمنح البشرية كلها من أول الى آخرها شرفا لا ينفد٬ وكرامة لا ينصل بهاؤها..!

موقفا جعل منها أما عظيمة للمؤمنين في كل العصور.. وللشرفاء في كل الأزمان.
**

تعذيب المشركين لآل ياسر 

كان الرسول عليه الصلاة والسلام يخرج الى حيث علم أن آل ياسر يعذبون..ولم يكن آنذاك يملك من أسباب المقاومة ودفع الأذى شيئا..وكانت تلك مشيئة الله..فالدين الجديد٬ ملة ابراهيم حنيفا٬ الدين الذي يرفع محمد لواءه ليس حركة اصلاح عارضة عابرة.. وانما هو نهج حياة للبشرية المؤمنة.. ولا بد للبشربة المؤمنة هذه أن ترث مع الدين تاريخه بكل تاريخه بكل بطولاته٬ وتضحياته ومخاطراته

ان هذه التضحيات النبيلة الهائلة٬ هي الخرسانة التي تهب الدبن والعقيدة ثباتا لا يزول٬ وخلودا لا يبلى..!!!انها العبيريملأ أفئدة المؤمنين ولاء٬ وغبطة وحبورا.وانها المنار الذي يهدي الأجيال الوافدة الى حقيقة الدين٬ وصدقه وعظمته..وهكذا لم يكن هناك بد من أن يكون للاسلام تضحياته وضحاياه٬ ولقد أضاء القرآن الكريم هذا المعنى للمسلمين في أكثر من آية.فهو يقول:(أحسب الناس أن يتركوا٬ أن يقولوا آمن ا٬ وهم لا يفتنون)؟!

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة٬ ولم ا يعلم الله الذين جاهدوا منكم٬ ويعلم الصابرين)؟

(ولقد فتنا الذين من قبلهم٬ فليعلمن الله الذين صدقوا٬ وليعلمن الكاذبين).

(أم حسبتم أن تتركوا٬ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم..)

(ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)..

(وما أصابكم يوم التقى الجمعان٬ فباذن الله٬ وليعلم المؤمنين).

أجل هكذا علم القرآن حملته وأبناءه٬ أن التضحية جوهر الايمان٬ وأن مقاومة التحدي ات الغاشمة الظالمة بالثبات وبالصبر وبالاصرار.. انما تشك ل أبهى فضائل الايمان وأروعها..ومن ثم فان دين الله هذا وهو يضع قواعده٬ ويرسي دعائمه٬ ويعطي مثله٬ لا بد له أن يدعم وجوده بالتضحية٬ ويزك ي نفسه بالفداء٬ مختارا لهذه المهمة الجليلة نفرا من أبنائه وأوليائه وأبراره يكنون قدوة سامقة ومثلا عاليا للمؤمنين القادمين.

ولقد كانت سمية.. وكان ياسر.. وكان  عمار بن ياسر من هذه الثلة المباركة العظيمة التي اهتارتها مقادير الاسلام لتصوغ من تضحياتها وثباتها واصراراها وثيقة عظمته وخلوده..

قلنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج كل يوم الى أسرة ياسر٬ محي يا صمودها٬ وبطولتها..وكان قلبه الكبير يذوبرحمة وحنانا لمشهدهم وهم يتلقون العذاب ما لا طاقة لهم به.وذات يوم وهو يعودهم ناداه عمار:" يا رسول الله.. لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ"..فناداه الرسول: صبرا أبا اليقظان..صبرا آل ياسر..فان موعدكم الجنة"..

ولقد وصف أصحاب عمار بن ياسر  العذاب الذي نزل به في أحاديث كثيرة.فيقول عمرو بن الحكم:" كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول".ويقول عمرو بن ميمون:" أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار٬ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به٬ ويمر يده على رأسه ويقول: يا نار كوني بردا وسلاما على عمار٬ كما كنت بردا وسلاما على ابراهيم"..
على أن ذلك الهول كله لم يكن ليفدح روح عمار٬ وان فدح ظهره ودغدغ قواه..

ولم يشعر  عمار بن ياسر  بالهلاك حقا٬ الا في ذلك اليوم الذي استنجد فيه جلادوه بكل عبقريتهم في الجريمة والبغي.. فمن الكي بالنار٬ الى صلبه على الرمضاء المستعرة تحت الحجارة الملتهبة.. الى غطه في الماء حتى تختنق أنفسه٬ وتتسلخ قروحه وجروحه..

في ذلك اليوم اذ فقد  عمار بن ياسر  وعيه تحت وطأة هذا الهول فقالوا له: أذكر آلهتنا بخير٬ وأخذوا يقولون له٬ وهو يردد وراءهم القول في غير شعور.
في لك اليوم٬ وبعد أن أفاق قليلا من غيبوبة تعذيبه٬ تذكر ما قاله فطار صوابه٬ وتجسمت هذه الهفوة أما نفسه حتى رآها خطيئة لا مغفرة لها ولا كفارة.. وفي لحظات معدودات٬ أوقع به الشعور بالاثم من العذاب ما أضحى عذاب المشركين تجاهه بلسما ونعيما..!!

ولو ترك عمار لمشاعره تلك بضع ساعات لقضت عليه لا محالة..
لقد كان يحتمل الهول المنصب على جسده٬ لأن روحه هناك شامخة.. أما الآن وهو يظن أن الهزيمة أدركت روحه فقد أشرفت به همومه وجزعه على الموت والهلاك..لكن الله العلي القدير أراد للمشهد المثير أن يبلغ جلال ختامه..وبسط الوحي يمينه المباركة مصافحا بها عمارا٬ وهاتفا به: انهض أيها البطل. لا تثريب عليك ولا حرج..
ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه فألفاه يبكي٬ فجعل يمسح دموعه بيده٬ ويقول له:" أخذك الكفار٬ فغطوك في الماء٬ فقلت كذا.. وكذا..؟؟" أجاب عمار وهو ينتحب: نعم يا رسول الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم:" ان عادوا٬ فقل لهم مثل قولك هذا"..!!ثم تلا عليه الآية الكريمة:( الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان)..
واسترد عمار سكينة نفسه٬ ولم يعد يجد للعذاب المنقض على جسده ألما٬ ولم يعد يلقي له وبالا..لقد ربح روحه٬ وربح ايمانه.. ولقد ضمن القرآن له هذه الصفقة المباركة٬ فليكن بعدئذ ما يكون..!!

وصمد عمار حتى حل الاعياء بجلاديه٬ وارتدوا أمام اصراره صاغرين..!!
**
استقر المسلمون بالمدينة بعد هجرة رسولهم اليها٬ وأخذ المجتمع الاسلامي هناك يتشك ل سريعا٬ ويستكمل نفسه..

ووسط هذه الجماعة المسلمة المؤمنة٬أخذ عمار مكانه عليا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا جما٬ ويباهي أصحابه بايمانه وهديه..يقول عنه صلى الله عليه وسلم/: ان عمارا ملئ ايمانا الى مشاشه".

وحين وقع سوء تفاهم بين عمار وخالد بن الوليد٬ قال رسول الله:" من عادى عمارا٬ عاداه الله٬ ومن أبغض عمارا أبغضه الله"
ولم يكن أمام خالد بن الوليد بطل الاسلام الا أن يسارع الى عمار معتذرا اليه٬ وطامعا في صفحه الجميل..!!

وحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة اثر نزولهم بها٬ ارتجز الامام علي كرم الله وجهه أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه٬ فيقولون:لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا

وصف عمار بن ياسر

وكان عمار بن ياسر يعمل من ناحية المسجد فأخذ يردد الأنشودة ويرفع بها صوته.. وظن أحد أصحابه أن عمارا يعرض به٬ فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" ما لهم ولعمار..؟يدعوهم الى الجنة٬ ويدعونه الى النار..ان عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي"..
واذا أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما الى هذا الحد٬ فلا بد أن يكون ايمانه٬ وبلاؤه٬ وولاؤه٬ وعظمة نفسه٬ واستقامة ضميره ونهجه.. قد بلغت المدى٬ وانتهت الى ذروة الكمال الميسور..
وكذلكم كان عمار..
لقد كال الله له نعمته وهداه بالمكيال الأوفى٬ وبلغ في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يزكي ايمانه٬ ويرفعه بين أصحابه قدوة ومثلا فيقول:" اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر.. واهتدوا بهدي عمار"..ولقد وصفه الرواة فقالوا:" كان   عمار بن ياسر طوالا٬ أشهل٬ رحب ما بين المنكبين.. من أطول الناس سكوتا٬ وأقلهم كلاما"..

فكيف سارت حياة هذا العملاق٬ الصامت الأشهل٬ العريض الصدر٬ الذي يحمل جسده آثار تعذيبه المروع٬ كما يحمل في نفس الوقت وثيقة صموده الهائل٬ والمذهل وعظمته الخارقة..؟!

كيف سارت حياة هذا الحواري المخلص٬ والمؤمن الصادق٬ والفدائي الباهر..؟لقد شهد مع مع الله ورسوله جميع المشاهد.. بدرا٬ وأحدا٬ والخندق وتبوك.. ويقيتها جميعاً.

عمار بن ياسر والي الكوفة

ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى٬ واصل العملاق زحفه..ففي لقاء المسلمين مع الفرس٬ ومع الروم٬ ومن قبل ذلك في لقائهم مع جيوش الرد ة الجرراة كان عمار هناك في الصفوف الأولى دوما.. جنديا باسلا أمينا٬ لا تنبو لسيفه ضربة.. ومؤمنا ورعا جليلا٬ لا تأخذه عن الله رغبة..وحين كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يختار ولاة المسلمين في دقة وتحفظ من يختار مصيره٬ كانت عيناه تقعان دوما في ثقة أكيدة على عمار بن ياسر"..

وهكذا سارع اليه وولاه الكوفة٬ وجعل ابن مسعود معه على بيت المال..وكتب الى أهلها كتابا يبشرهم فيه بواليهم الجديد٬ فقال:" اني بعثت اليكم عمار بن ياسر أميرا.. وابن مسعود معلما ووزيرا.وانهما من النجباء٬ من أصحاب محمد٬ ومن أهل بدر"..ولقد سار عمار في ولايته سيرا  شق على الطامعين في الدنيا تحمله حتى تألبوا عليه أو كادوا..

تواضع عمار بن ياسر والي الكوفة

لقد زادته الولاية تواضعا وورعا وزهدا..يقول ابن أبي الهذيل٬ وهو من معاصريه في الكوفة:" رأيت عمار بن ياسر وهو أمير الكوفة يشتري من قثائها٬ ثم يربطها بحبل ويحملها فوق ظهره٬ ويمضي بها الى داره"..!!

ويقول له واحد من العامة وهو امير الكوفة:" يا أجدع الأذن يعيره بأذنه التي قطعت بسيوف المرتدين في حرب اليمامة.. فلا يزيد الأمير الذي بيده السلطة على أن يقول لشاتمه:" خير أذني سببت.. لقد أصيبت في سبيل الله"..!!

أجل لقد أصيب في سبيل الله في يوم اليمامة٬ وكان يوما من أيام  عمار بن ياسر المجيدة.. اذا انطلق العملاق في استبسال عاصف يحصد في جيش مسيلمة الكذاب٬ ويهدي اليه المنايا والدمار..واذا يرى في المسلمين فتورا يرسل بين صفوفهم صياحه المزلزل٬ فيندفعون كالسهام المقذوفة.يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما:

" رايت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة٬ وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين.. أمن الجنة تفرون..؟ أنا عمار بن ياسر٬ هلموا الي .. فنظرت اليه٬ فاذا أذنه مقطوعة تتأرجح٬ وهو يقاتل أشد القتال"..

ألا من كان في شك من عظمة محمد الرسول الصادق٬ والمعلم الكامل٬ فليقف أمام هذه النماذج من أتباعه وأصحابه٬ وليسأل نفسه: هل يقدر على انجاب هذا الطراز الرفيع سوى رسول كريم٬ ومعلم عظيم؟؟
اذا خاضوا في سبيل الله قتالا اندفعوا اندفاع من يبحث عن المنية٬ لا عن النصر.واذا كانوا خلفاء وحكاما٬ ذهب الخليفة يحلب شياه الأيامى٬ ويعجن خبز اليتامى.. كما فعل أبو بكر وعمر.
واذا كانوا ولاة حملوا طعامم على ظهورهم مربوطا بحبل.. كما فعل عمار. أو تنازلوا عن راتبهم وجلسوا يصنعون من الخوص المجدول أوعية ومكاتل٬ كما صنع سلمان..!!

ألا فلتنحني الجباه تحية واجلالا للدين الذي أنجبهم٬ وللرسول الذي رباهم.. وقبل الدين والرسول٬ الله العلي الكبير الذي اجتباهم لهذا كله..وهداهم لهذا كله.. وجعلهم رو ادا لخير أمة أخرجت للناس..

**

حذيفة بن اليمان يذكي عمار بن ياسر 

كان حذيفة بن اليمان الخبير بلغة السرائر والقلوب يتهيأ للقاء الله٬ ويعالج سكرات الموت حين سأله أصحابه الحافون حوله قائلين له" بمن تأمرنا٬ اذا اختلف الناس"..؟ فأجابهم حذيفة٬ وهو يلقي بآخر كلماته:" عليكم بابن سمية.. فانه لن يفارق الحق حتى يموت"..

أجل ان عمارا ليدور مع الحق حيث يدور.. والآن نحن نقفو آثاره المباركة٬ ونتتبع معالم حياته العظيمة٬ تعلو ا نقترب من مشهد عظيم..
ولكن قبل أن نواجه هذا المشهد في روعته وجلاله٬ في صولته وكماله٬ في تفانيه واصراره٬ في تفوقه واقتداره٬ تعال وا نبصر مشهد مشهدا يسبق هذا المشهد٬ ويتنبأ به٬ ويهيئ له..


كان ذلك اثر استقرار المسلمين في المدينة٬ وقد نهض الرسول الأمين وحوله الصحابة الأبرار٬ شعثا لربهم وغبرا٬ بنون بيته٬ ويقيمون مسجده.. قد امتلأت أفئدتهم المؤمنة غبطة٬ وتألقت بشرا٬ وابتهلت حمدا لربها وشكرا..
الجميع يعملون في خبور وأمل.. يحملون الحجارة٬ أو يعجنون الملاط.. أو يقيمون البناء..فوج هنا وفوج هناك..والأفق السعيد يردد تغريدهم الذي يرفعون به أصواتهم المحبورة:

لئن قعدنا والنبي يعمل
 لذاك منا العمل المضلل 

هكذا يغنون وينشدون..ثم تتعالى أصواتهم الصادحة بتغريدة أخرى:

اللهم ان العيش عيش الآخرة
 فارحم الأنصار والمهاجرة 

وتغريدة ثالثة:

لا يستوي من يعمر مسجدا
 يدأب فيها قائما وقاعدا 
ومن يرى الغبار عنه حائدا

انها خلايا ﷲ تعمل.. انهم جنوده٬ يحملون لواءه٬ ويرفعون بناءه..ورسوله الطيب الأمين معهم٬ يحمل من الحجارة أعتاها٬ ويمارس من العمل أشقه.. وأصواتهم المغردة تحكي غبطة أنفسهم الراضية المخبتة..

والسماء من فوقهم تغبط الأرض التي تحملهم فوق ظهرها.. والحياة المتهللة تشهد أبهى أعيادها..وعمار بن ياسر هناك وسط المهرجان الحافل يحمل الحجارة الثقيلة من منحتها الى مستقرها..

ويبصره الرحمة المهداة محمد رسول الله٬ فيأخذه اليه حنان عظيم٬ ويقترب منه وينفض بيده البارة الغبار الذي كسى رأسه٬ ويتأمل وجهه الوديع المؤمن بنظرات ملؤها نور الله٬ ثم يقول على ملأ من أصحابه جميعا:" ويح ابن سمية..!! تقتله الفئة الباغية"..

وتتكرر النبوءة مر ة أخرى حين يسقط جدار كان يعمل تحته٬ فيظن بعض اخوانه أنه قد مات٬ فيذهب ينعاه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم٬ ويفزع الأصحاب من وقع النبأ.. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في طمأنينة وثقة:" ما مات عمار تقتله الفئة الباغية".فمن تكون هذه الفئة يا ترى..؟؟ ومتى..؟ وأي..؟لقد أصغى عمار للنبوءة اصغاء من يعرف صدق البصيرة التي يحملها رسوله العظيم..

ولكنه لم يروع.. فهو منذ أسلم٬ وهو مرشح للموت والشهادة في كل لحظة من ليل أو نهار.ومضت الأيام.. والأعوام..ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى.. ثم لحق به الى رضوان الله أبو بكر.. ثم لحق بهما الى رضوان الله عمر..وولي الخلافة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه..وكانت المؤامرات ضد الاسلام تعمل عملها االمستميت٬ وتحاول أن تربح بالغدر واثارة الفتن ما خسرته في الحرب..

وكان مقتل عمر أول نجاح أحرزته هذه المؤامرات التي أخذت تهب على المدينة كريح السموم من تلك البلاد التي دمر الاسلام ملكها وعروشها..وأغراها استشهاد عمر على مواصلة مساعيها٬ فألبت الفتن وأيقظتها في معظم بلاد الاسلام..ولعل عثمان رضي الله عنه٬ لم يعط الأمور ما تستحقه من الاهتمام والحذر٬ فوقعت الواقعة واستشهد عثمان رضي الله عنه٬ وانفتحت على المسلمين أبواب الفتنة.. وقام معاوية ينازع الخليفة الجديد عليا كرم الله وجهه حقه في الأمر٬ وفي الخلافة.

وتعددت اتجاهات الصحابة.. فمنهم من نفض يديه من الخلاف وأوى الى بيته٬ جاعلا شعاره كلمة ابن عمر:" من قال حي على الصلاة أجبته..ومن قال حي على الفلاح أجبته..ومن قال حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله٬ قلت: لا؟..

ومنهم من انحاز الى معاوية..ومنهم من وقف الى جوار علي صاحب البيعة٬ وخليفة المسلمين..ترى أين يقف اليوم عمار؟؟أين يقف الرجل الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" واهتدوا بهدي عمار"..؟

أين يقف الرجل الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من عادى عمارا عاداه الله"..؟
والذي كان اذا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته يقترب من منزله قال:" مرحبا بالطيب المقدام٬ ائذنوا له"..!!

لقد وقف الى جوار علي ابن أبي طالب٬ لا متحيزا ولا متعصبا٬ بل مذعنا للحق٬ وحافظا للعهد..فعلي خليفة المسلمين٬ وصاحب البيعة بالامامة.. ولقد أخذ الخلافة وهو لها أهل وبها جدير.وعلي قبل هذا وبعد هذا٬ صاحب المزايا التي جعلت منزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كمنزلة هارون من موسى..ان عمارا الذي يدور مع الحق حيث دار٬ ليهتدي بنور بصيرته واخلاصه الى صاحب الحق الأوحد في النزاع.. ولم يكن صاحب الحق يومئذ في يقينه سوى علي ٬ فأخذ مكانه الى جواره..وفرح علي رضي الله عنه بنصرته فرحا لعله لم يفرح يومئذ مثله وازداد ايمانا بأنه على الحق ما دام رجل الحق العظيم عمار قد أقبل عليه وسار معه..

وجاء يوم صفين الرهيب.وخرج الامام علي يواجه العمل الخطير الذي اعتبره تمردا يحمل هو مسؤولية قمعه.وخرج معه عمار.كان عمار قد بلغ من العمر يومئذ ثلاثة وتسعين..ثلاث وتسعون عاما ويخرج للقتال..؟أجل ما دام يتعقد أن القتال مسؤليته وواجبه.. ولقد قاتل أشد وأروع مما يقاتل أبناء الثلاثين..

كان الرجل الدائم الصمت٬ القليل الكلام٬ لا يكاد يحر ك شفتيه حين يحر كهما الا بهذه الضراعة:" عائذ بالله من فتنة..عائذ بالله من فتنة..".
وبعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ظلت هذه الكلمات ابتهاله الدائم..
وكلما كانت الأيام تمر٬ كان هو يكثر من لهجه وتعوذه.. كأنما كان قلبه الصافي يحس الخطر الداهم كلما اقتربت أيامه..
وحين وقع الخطر ونشبت الفتنة٬ كان ابن سمي ة. يعرف مكانه فوقف يوم صفين حاملا سيفه وهو ابن الثالثة والتسعين كما قلنا ليناصر به حقا من يؤمن بوجوب مناصرته..

ولقد أعلن وجهة نظره في هذا القتال قائلا:" ايها الناس:سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان٬ ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره٬ ولكنهم ذاقوا الدنيا٬ واستمرءوها٬ وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرغون فيه من شهواتهم ودنياهم..وما كان لهؤلاء سابقة في الاسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم٬ ولا الولاية عليهم٬ ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق..وانهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان.. وما يريدون الا أن يكونوا جبابرة وملوكا؟..ثم أخذ الراية بيده٬ ورفعها فوق الرؤوس عالية خافقة٬ وصاح في الناس قائلا:" والذي نفسي بيده.. لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٬ وهأنذا أقاتل بها اليوم..

والذي نفسي بيده. لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر٬ لعلمت أننا على الحق٬ وأنهم على الباطل"..ولقد تبع الناس عمارا٬ وآمنوا بصدق كلماته..يقول أبو عبدالرحمن السلمي:" شهدنا مع علي رضي الله عنه صفين٬ فرأيت عمار ابن ياسر رضي اله عنه لا يأخذ في ناحية من نواحيها٬ ولا واد من أوديتها٬ الا رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتبعونه كأنه علم لهم"..!!كان عمار وهو يجول في المعركة ويصول٬ يؤمن أنه واحد من شهدائها..وقد كانت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتلق أمام عينيه بحروف كبرة:" تقتل عم ار الفئة الباغية"..

من أجل هذا كان صوته يجلجل في أفق المعركة بهذه التغريدة:"اليوم القى الأحبة محمدا وصحبه".

ثم يندفع كقذيفة عاتية صوب مكان معاوية ومن حوله الأمويين

 ويرسل صياحا عاليا مدمدما:
لقد ضربناكم على تنزيله
 واليوم نضربكم على تأويله
 ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله 
أو يرجع الحق الى سبيله

وهو يعني بهذا أن أصحاب الرسول السابقين٬ وعمارا منهم قاتلوا الأمويين بالأمس وعلى رأسهم أبو سفيان الذي كان يحمل لواء الشرك٬ ويقود جيوش المشركين..قاتلوهم بالأمس٬ وكان القرآن الكريم يأمرهم صراحة بقتالهم لأنهم مشركون..أما اليوم٬ وان يكونوا قد أسلموا٬ وان يكن القرآن الكريم لا يأمرهم صراحة بقتالهم٬ الا أن اجتهاد عمار رضي الله عنه في بحثه عن الحق٬ وفهمه لغايات القرآن ومراميه يقنعانه بقتالهم حتى يعود الحق المغتصب الى ذويه٬ وحتى تنصفئ الى البد نار التمرد والفتنة..ويعني كذلك٬ أنهم بالأمس قاتلوا الأمويين لكفرهم بالدين والقرآن..


واليوم يقاتلون الأمويين لانحرافهم بالدين٬ وزيغهم عن القرآن الكريم واساءتهم تأويله وتفسيره٬ ومحاولتهم تطويع آياته ومراميه لأغراضهم وأطماعهم..!!

كان ابن الثالثة والتسعين٬ يخوض آخر معارك حياته المستبسلة الشامخة.. كان يلقن الحياة قبل أن يرحل عنها آخر دروسه في الثبات على الحق٬ ويترك لها آخر مواقفه العظيمة٬ الشريفة المعلمة.. ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمار ما استطاعوا٬ حتى لا تقتله سيفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية..بيد أن شجاعة عمار الذي كان يقتل وكأنه جيش واحد٬ أفقدتهم صوابهم٬ فأخذ بعض جنود معاوية يتحينون الفرصة لاصابته٬ حتى اذا تمكنوا منه أصابوه.

**
كان جيش معاويبة ينتظم من كثيرين من المسلمين الجدد.. الذين أسلموا على قرع طبول الفتح الاسلامي في البلاد الكثيرة التي حررها الاسلام من سيطرة الروم والفرس.. وكان أكثر هؤلاء وقود الحرب التي سببها تمرد معاوية ونكوصه على بيعة علي.. الخليفة٬ والامام٬ كانوا وقودها وزيتها الذي يزيدها اشتعالا.وهذا الخلاف على خطورته٬ كان يمكن أن ينتهي بسلام لو ظلت الأمور بأيدي المسلمين الأوائل.. ولكنه لم يكد يتخذ أشكاله الحادة حتى تناولته أيد كثيرة لا يهمها مصير الاسلام٬ وذهبت تذكي النار وتزيدها ضراما..

شاع في الغداة خبر مقتل عمار وذهب المسلمون يتناقل بعضهم عن بعض نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سمعها أصحابه جميعا ذات يوم بعيد٬ وهم يبنون المسجد بالمدينة." ويح ابن سمية٬ تقتله الفئة الباغية".

وعرف الناس الآن من تكون الفئة الباغية.. انها الفئة التي قتلت عمارا.. وما قتله الا فئة معاوية..

وازداد أصحاب علي بهذا ايمانا.أما فريق معاوية٬ فقد بدأ الشك يغز قلوبهم٬ وتهيأ بعضهم للتمرد٬ والانضمام الى علي .ولم يكد معاوية يسمع بما حدث. حتى خرج يذيع في الناس أن هذه النبوءة حق ٬ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم تنبأ حقا بأن عمارا ستقتله الفئة الباغية.. ولكن من الذي قتل عمارا..؟ ثم صاح في الناس الذين معه قائلا:" انما قتله الذين خرجوا به من داره٬ وجاؤا به الى القتال"..وانخدع بعض الذين في قلوبهم هوى بهذا التأويل المتهالك٬ واستأنفت المعركة سيرها الى ميقاتها المعلوم.

**
أما عمار٬ فقد حمله الامام علي فوق صدره الى حيث صلى عليه والمسلمون معه.. ثم دفنه في ثيابه..أجل في ثيابه المضمخة بدمه الزكي الطهور.. فما في كل حرير الدنيا وديباجها ما يصلح أن يكون كفنا لشهيد جليل٬ وقديس عظيم من طراز عمار.

ووقف المسلمون على قبره يعجبون..منذ ساعات كان عمار يغرد بينهم فوق أرض المعركة.. تملؤ نفسه غبطة الغريب المضنى يزف الى وطنه٬ وهو يصيح:" اليوم ألقى الأحبة٬ محمدا وصحبة"..!!كان معهم اليوم على موعد يعرفه٬ وميقات ينتظره..؟؟وأقبل بعض الأصحاب على بعضهم يتساءلون..قال أحدهم لصاحبه: أتذكر أصيل ذلك اليوم بالمدينة ونحن جالسون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم..وفجأة تهلل وجهه وقال:" اشتاقت الجنة لعمار"..قال له صاحبه نعم٬ ولقد ذكر يومها آخرين منهم علي وسلمان وبلال..اذن فالجنة كانت مشتاقة لعمار..

واذن٬ فقد طال شوقها اليه٬ وهو يستمهلها حتى يؤدي كل تبعاته٬ وينجز آخر واجباته..ولقد أد اها في ذمة٬ وأنجزها في غبطة..أفما آن له أن يلبي نداء الشوق الذي يهتف به من رحاب الجنان..بلى آن له أن يبلي النداء.. فما جزاء الاحسان الا الاحسان.. وهكذا ألقى رمحه ومضى..

وحين كان تراب قبر عمار بن ياسر يسوى بيد أصحابه فوق جثمانه٬ كانت روحه تعانق مصيرها السعيد هناك.. في جنات الخلق٬ التي طال شوقها لعمار..

المصادر

رجال حول الرسول 
خالد محمد خالد




reaction:

تعليقات