القائمة الرئيسية

الصفحات

حكم تارك الصلاة من القرآن والسنة وإجماع الصحابة

حكم تارك الصلاة من القرآن والسنة وإجماع الصحابة

حكم تارك الصلاة من القرآن والسنة وإجماع الصحابة


 ما يقول العلماء، أئمَّة الدِّين، وفَّقهم الله وأرشدهم، وهداهم وسدَّدهم، في تارك الصَّلاة عامدًا:

  1.  هل يجب قتله أم لا؟
  2. وإذا قُتِلَ فهل يُقْتَل كما يُقْتَل المرتدُّ والكافر؛ فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين أم يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه؟ 
  3. وهل تحبط الأعمال وتبطُل بترك الصَّلاة، أم لا؟
  4. وهل تُقْبَل صلاة النَّهار باللَّيل، وصلاة اللَّيل بالنَّهار، أم لا؟
  5.  وهل تصحُّ صلاة من صلَّى وحده، وهو يقدر على الصَّلاة جماعةً، أم لا؟ 
  6. وإذا صحَّت فهل يأثم بترك الجماعة، أم لا؟
  7.  وهل يُشترط حضور المسجد، أم يجوز فعلها في البيت؟ 
  8. وما حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يُتمَّ ركوعها وسجودها؟ 
  9. وما كان مقدار صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ 
  10. وما حقيقة التَّخفيف الذي نَبَّه عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلِّ بِهِم صلاة أَخَفِّهِم"؟ وما معنى قوله لمعاذ: "أفتَّان أنت؟ ".


أجاب الشيخ الإمام العلَّامة ابن قيم الجوزية، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنَّة الخلد متقلَّبَه ومثواه:

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

فتوي العلماء بقتل تارك الصلاة متعمداً

لا يختلف المسلمون أنَّ ترك الصَّلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذُّنُوب، وأكبر الكبائر. وأنَّ إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النَّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر. وأنَّه متعرِّضٌ لعقوبة الله وسخطه وخِزْيه في الدُّنيا والآخرة.

ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفيَّة قتله، وفي كُفْره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري، وأبوعمرو الأوزاعي، وعبدالله بن المبارك، وحمَّاد بن زيد، ووكيع بن الجرَّاح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحابهم =بأنَّه يُقْتل.

اختلاف العلماء في كيفية قتل تارك الصلاة

فقال جمهورهم: يُقتل بالسَّيف ضربًا في عنقه. وقال بعض الشَّافعية: يُضْرب بالخَشَب إلى أنْ يصلِّي أو يموت. وقال ابن سُرَيْج: يُنْخَس بالسَّيف حتى يموت؛ لأنَّه أبلغ في زجره، وأرجى لرجوعه.
والجمهور يحتجُّون بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله كَتَب الإحسان على كُلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة".
وضَرْب العُنُق بالسَّيْف أحسن القتلات، وأسرعها إزهاقًا للنَّفس.وقد سنَّ الله سبحانه في قتل الكفَّار المرتدِّين ضَرْب الأعناق، دون النَّخْس بالسَّيف. وإنَّما شُرِع في حقِّ الزَّاني المُحْصَن القتل بالحجارة؛ ليصل الألم إلى جميع بَدَنه، حيث وصلت إليه اللَّذَّة بالحرام.ولأنَّ تلك القتلة أشنع القتلات، والدَّاعي إلى الزِّنا داعٍ قويٌّ في الطِّباع؛ فجُعِلَت غلظة هذه العقوبة في مقابلة قوَّة الدَّاعي. ولأنَّ في هذه العقوبة تذكيرًا بعقوبة الله لقوم لوْطٍ، بالرَّجم بالحجارة على ارتكاب الفاحشة.

رأي بعض العلماء أنه لا يقتل

وقال ابن شهاب الزُّهري، وسعيد بن المسيّب، وعمر بن عبدالعزيز، وأبوحنيفة، وداود بن علي، والمزني: يُحْبَس حتى يموت، أو يتوب، ولا يُقتل.واحْتُجَّ لهذا المذهب بما رواه أبو هريرة عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُمِرتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءهم وأموالهم، إلَّا بحقها" رواه البخاري ومسلم.

وعن ابن مسعود قال: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلُّ دمُ امريءٍ مسلمٍ، يشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِينه، المفارق للجماعة" أخرجاه في "الصَّحيحين".

قالوا: ولأنَّها من الشَّرائع العمليَّة؛ فلا يقتل بتركها، كالصِّيام، والزَّكاة، والحجِّ.
قال الموجبون لقتله: قد قال الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة/5]. فأَمَرَ بقتلهم حتى يتوبوا من شِرْكهم، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزَّكاة.

ومن قال: لا يقتل تارك الصلاة، يقول: متى تاب من شِرْكِه سقط عنه القتل، وإنْ لم يُقِم الصلاة ولا آتى الزكاة. وهذا خلاف ظاهر القرآن.

وفي "الصَّحيحين"، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: بعث عليُّ بن أبي طالب ـ وهو باليمن ـ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بذُهَيْبَةٍ، فقسمها بين أربعةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله! فقال: "ويلك! ألستُ أحق أهل الأرض أنْ يتَّقي الله؟ ". ثم ولَّى الرجل. فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألَا أضربُ عنقه؟ فقال: "لا، لعلَّه أن يكون يصلِّي". فقال خالدٌ: فكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي لم أؤمر أنْ أنقِّب عن قلوب النَّاس، ولا أشقَّ بطونهم".فجعل النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - المانع من قتله كونه يصلِّي؛ فدلَّ على أنَّ مَن لم يصلِّ يُقتل. ولهذا قال في الحديث الآخر: "نُهِيتُ عن قتل المصلِّين".ويدلُّ على أنَّ غير المصلِّين لم ينْهَه الله عن قتلهم.

وروى الإمام أحمد والشافعي في "مسندَيْهِما"، من حديث عبيدالله بن عديِّ بن الخِيار، أنَّ رجلًا من الأنصار حدَّثه: أنَّه أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وهو في مجلس فسارَّه؛ يستأذنه في قتل رجلٍ من المنافقين، فجَهَر رسول الله، فقال: "ألَيس يشهد أنْ لا إله إلَّا الله؟ " قال الأنصاريُّ: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: "ألَيس يشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله؟ " قال: بلى ولا شهادة له. قال: "ألَيس يصلِّي الصَّلاة؟ " قال: بلَى، ولا صلاة له. قال: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم".فدلَّ على أنَّه لم ينْهَ عن قتل مَن لم يُصَلِّ.

وفي "صحيح مسلمٍ"، عن أمِّ سلمة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون؛ فمَن أنكر فقد بَرِيء، ومن كَرِه فقد سَلِم، ولكن من رَضِي وتابع". فقالوا: يا رسول الله، أَلَا نقاتلهم؟ فقال: "لا، ما صلَّوا".

وفي "الصَّحيحين"، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله".

فوجْهُ الاستدلال به من وجهين:

أحدهما: أنَّه أمر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة.

الثَّاني: قوله: "إلَّا بحقِّها"، والصَّلاة من أعظم حقِّها.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْت أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله". رواه الإمام أحمد، وابن خزيمة في "صحيحه".

فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أُمِر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة، وأنَّ دماءهم وأموالهم إنَّما تحرم بعد الشَّهادتين، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة؛ فدماؤُهم وأموالُهم قبل ذلك غير محرَّمة؛ بل هي مباحة.

وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: لمَّا توفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدَّت العرب، فقال عمرُ: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكرٍ: إنَّما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة". رواه النسائي، وهو حديثٌ صحيحٌ.

وتقييد هذه الأحاديث يبيِّن مقتضى الحديث المطلق الذي احتجُّوا به على ترك القتل، مع أنَّه حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه لم يُثْبِت العِصْمة للدَّم والمال إلَّا بحقِّ الإسلام، والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق.

وأمَّا حديث ابن مسعود، وهو: "لا يحلُّ دم امريءٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ" فهو حُجَّة لنا في المسألة؛ فإنَّه جعل منهم التَّارك لِدِينه، والصلاة ركن الدِّين الأعظم، ولا سيِّما إنْ قلنا بأنَّه كافر، فقد تَرَك الدِّينَ بالكليَّة، وإنْ لم نكفِّره فقد تَرَك عمود الدِّين.

قال الإمام أحمد: وقد جاء في الحديث: "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة".وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: "إنَّ مِنْ أهمِّ أموركم عندي الصَّلاة؛ فمَنْ حفظها حفظ ديْنَه، ومن ضيَّعَها فهو لِما سواها أضْيع، ولاحظَّ في الإسلام لمن تَرَك الصَّلاة".

قال أحمد: فكُلُّ مستخِفٍّ بالصَّلاة مستهينٍ بها؛ فهو مستخفٌّ بالإسلام، مستهينٌ به.وإنَّما حظُّهم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة.فاعْرف نفسك يا عبدالله، واحْذر أنْ تَلْقَى الله ولا قدر للإسلام عندك؛ فإنَّ قَدْر الإسلام في قلبك كقَدْر الصَّلاة في قلبك.

وقد جاء الحديث عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "الصَّلاة عمود الإسلام".
أَلَسْتَ تعلمُ أنَّ الفُسْطاط إذا سقط عموده سقط الفُسْطاط،ولم يُنْتَفع بالطُّنُب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفُسْطاط انْتُفِع بالطُّنُب والأوتاد، وكذلك الصلاة من الإسلام.

وجاء الحديث: "إنَّ أوَّل ما يُسْأل عنه العبدُ يوم القيامة مِن عمله صلاته؛ فإنْ تُقبِّلَت منه صلاتُه تُقُبِّل منه سائرُ عمله، وإنْ رُدَّت عليه صلاته رُدَّ عليه سائرُ عمله".فصلاتُنا آخر دينِنا، وهي أول ما نُسْأل عنه غدًا من أعمالنا يوم القيامة. فليس بعد ذهاب الصلاة إسلامٌ ولا دينٌ، إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام. هذا كلُّه كلام أحمد.والصَّلاة أول فُروض الإسلام، وهي آخر ما يُفْقَد من الدِّين، فهي أول الإسلام وآخره، وكُلُّ شيءٍ ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه.

قال الإمام أحمد: كُلُّ شيءٍ يذهب آخره فقد ذهب جميعُه. فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينُه.
والمقصودُ أنَّ حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يحلُّ دمُ امرءٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ الثَّيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدِيْنه" = من أقوى الحجج في قتل تارك الصلاة.


واختلف القائلون بقتله في مسائل:

 هل يُسْتَتاب تارك الصلاة أم لا؟


فالمشهور أنَّه يُسْتَتاب، فإنْ تاب تُرِك، وإلَّا قُتِل. هذا قول الشَّافعي، وأحمد، وأحد القولين في مذهب مالك.

وقال أبو بكر الطُّرْطُوشي في "تعليقِهِ": مذهب مالكٍ: أنَّه يُقَال له: صلِّ ما دام الوقت باقيًا، فإنْ فعل تُرِك، وإنْ امتنع حتى خرج الوقت قُتِل.

وهل يُسْتتاب أم لا؟

قال بعض أصحابنا: يُسْتَتاب؛ فإنْ تاب وإلَّا قُتِل.

وقال بعضهم: لا يُسْتَتاب؛ لأنَّ هذا حدٌّ من الحُدُود يُقام عليه، فلا تُسْقِطه التَّوبة، كالزَّاني والسَّارق.وهذا القول يلزم من قال إنَّه يُقْتل حدًّا؛ فإنَّه إذا كان حدُّه على ترك الصلاة القتل، كان كمَنْ حَدُّهُ القتل على الزِّنا والمحاربة، والحدود تجب بأسبابها المتقدِّمة، ولا تُسقطها التَّوبة بعد الرَّفع إلى الإمام.

وأمَّا مَن قال: يُقْتل لكفره فلا يلزمه هذا؛ لأنَّه جعله كالمرتدِّ؛ فإذا أسْلم سقط عنه القتل.
قال الطُّرْطُوْشي: وهكذا حكم الطَّهارة، والغُسل من الجنابة، والصيام عندنا؛ فإذا قال: لا أتوضَّأُ، أو: لا أغتسل من الجنابة، أو: لا أصوم= قُتِل، ولم يُسْتَتب؛ سواء قال: هي فرضٌ عليَّ، أو جحد فرضها.

قلتُ: هذا الذي حكاه الطُّرْطُوْشي عن بعض أصحابهم: أنَّه يُقْتَل من غير استتابة هو روايةٌ عن مالك. وفي استتابة المرتدِّ روايتان عن أحمد، وقولان للشافعيِّ.ومن فرَّق بين المرتدِّ وبين تارك الصَّلاة في الاستتابة؛ فاستتاب المرتدَّ دون تارك الصلاة، كإحْدى الرِّوايتين عن مالك يقول: الظَّاهر أنَّ المسلم لا يترك دينه إلَّا لشُبْهةٍ عَرَضَت له، تمنعه البقاء عليه؛ فيُسْتَتاب رجاء زوالها.

والتَّارك للصَّلاة مع إقراره بوجوبها عليه لا مانع له، فلا يُمهل.قال المستتيبون له: هذا قُتِل لترك واجبٍ شُرِعت له الاستتابة، فكانت واجبةً، كقتل الرِّدَّة.

قالوا: بل الاستتابة ههنا أولى؛ لأنَّ احتمال رجوعه أقرب؛ لأنَّ التزامه للإسلام يحمله على التوبة، ممَّا يخلِّصه من العقوبة في الدنيا والآخرة.

وهذا القول هو الصَّحيح؛ لأنَّ أسوأ أحواله أن يكون كالمرتدِّ. وقد اتَّفق الصَّحابة على قبول توبة المرتدِّين ومانعي الزَّكاة، وقد قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال/38]. وهذا يعمُّ المرتدَّ وغيره.

والفرق بين قتل هذا حَدًّا وقتل الزَّاني والمحارب: أنَّ قتل تارك الصلاة إنَّما هو على إصْرَاره على التَّرْك في المستقبل، وعلى التَّرْك في الماضي.بخلاف المقتول في الحدِّ؛ فإنَّ سبب قتله الجناية المتقدِّمة على الحدِّ؛ لأنَّه لم يبق له سبيل إلى تداركها، وهذا له سبيل إلى الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها عند الأئمة الأربعة وغيرهم.

ومن يقول من أصحاب أحمد: لا سبيل له إلى الاستدراك ـ كما هو قول طائفةٍ من السَّلف ـ يقول: القتل ههنا على تركٍ، فيزول التَّرك بالفعل، وأمَّا الزِّنا والمحاربة فالقتل فيهما على فِعلٍ، والفعل الذي مضى لا يزول بالتَّرك.

لا يقتل تارك الصلاة حتى يُدْعَى إلى فعلها، فيمتنع.

فالدُّعاء إليها شرطٌ في قتله؛ فإنَّه قد يتركها لعذرٍ، أو ما ظنَّه عذرًا،والكسل لا يستمرُّ؛ ولذلك أذن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة نافلةً خلف الأمراء الذين يؤخِّرُون الصلاة حتى يخرج الوقت، ولم يأمر بقتالهم، ولم يأذن في قتلهم؛ لأنَّهم لم يصرُّوا على التَّرك. فإذا دُعِي فامتنع ـ لا من عذرٍ ـ حتى يخرج الوقت تحقَّق تركه وإصراره.

بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟ 

هذا فيه خلافٌ بين الناس.فقال سفيان الثوري، ومالك، وأحمد ـ في إحدى الرِّوايات ـ: يقتل بترك صلاةٍ واحدةٍ. وهو ظاهر مذهب الشَّافعي، وأحمد.

وحُجَّة هذا القول: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على قتل تارك الصَّلاة. وقد روى معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ تَرَك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد بَرِئت منه ذِمَّةُ الله". رواه الإمام أحمد في "مسنده".

وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: "أوصاني أبوالقاسم - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أترك الصَّلاة متعمِّدًا، فمَنْ تركها متعمِّدًا فقد بَرِئَت منه الذِّمَّة". رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم في "سننه".

ولأنَّه إذا دُعِي إلى فعلها في وقتها فقال: لا أصلِّي، ولا عذر له فقد ظهر إصْراره؛ فتعيَّن إيجاب قتله وإهْدار دمه. واعتبار التِّكرار ثلاثًا ليس عليه دليلٌ؛ من نصٍّ، ولا إجماعٍ، ولا قول صاحب، وليس أولى من اثنتين!

وقال أبوإسحاق ـ من أصحاب أحمد ـ: إنْ كانت الصلاة المتروكة تُجْمَع إلى ما بعدها كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء لم يُقْتَل حتى يخرج وقت الثانية؛ لأنَّ وقتَها وقت الأولى في حال الجمع، فأوْرَث شبهةً ههنا. وإن كانت لا تُجْمع إلى ما بَعدها كالفجر، والعصر، وعشاء الآخرة قُتِل بتركها وحدها؛ إذ لا شُبْهة ههنا في التَّأخير.وهذا القول حكاه إسحاق عن عبدالله بن المبارك، أو عن وكيع ابن الجراح. الشَّكُّ من إسحاق في تعيينه.
قال أبو البركات ابن تيمية: والتَّسوية أصحُّ، وإلحاق التارك ههنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصحُّ، كما لم يصحَّ إلحاقه بهم في أصل التَّرك.

قلتُ: وقول أبي إسحاق أقوى وأفْقَهُ؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ هذا الوقت للصَّلاتين في الجملة؛ فأورث ذلك شبهةً في إسقاط القتل.ولأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - منع مِنْ قتال الأمراء المؤخِّرين الصَّلاةَ عن وقتها. وإنَّما كانوا يؤخِّرون الظهر إلى وقت العصر، وقد يؤخِّرون العصر إلى آخر وقتها. ولمَّا قيل له: ألَا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا". فدلَّ على أنَّ ما فعلوه صلاة يعصِمون بها دماءَهم.

وعلى هذا فمتى دُعِي إلى الصَّلاة في وقتها، فقال: لا أُصَلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتله، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية.


 نصَّ عليه الإمام أحمد.وقال القاضي وأصحابه، كأبي الخطَّاب وابن عقيل: لا يُقْتَل حتى يتضايق وقت التي بعدها.قال الشيخ أبو البركات: من دُعِي إلى صلاةٍ في وقتها، فقال: لا أصلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتلُه، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية، نصَّ عليه. قال: وإنَّما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره ـ يعني: أباالخطَّاب ـ لأنَّ القتل بتركها دون الأولى؛ لأنَّه لمَّا دُعِي إليها كانت فائتةً، والفوائت لا يقتل تاركها.

ولفظ أبي الخطَّاب الذي أشار إليه: فإن أخَّر الصَّلاة حتى خرج وقتها جاحدًا لوجوبها كَفَر، ووجب قتله.فإنْ أخَّرها تهاونًا ـ لا جُحودًا لوجوبها ـ دُعِيَ إلى فِعلها، فإنْ لم يفعلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتلُه. فالتي أخَّرها تهاونًا هي التي أخَّرها حتى خرج وقتها، فدُعِي إليها بعد خروج وقتها؛ فإذا امتنع من فعلها حتى تضايق وقت الآخرة التي بعدها كان قتله بتأخير الصلاة التي دُعِي إليها حتى تضايق وقتها. هذا تقرير ما ذكره الشيخ.قال: وقال بعض أصحابنا: يُقْتل لترك الأولى، ولترك قضاء كُلِّ فائتةٍ إذا أمكنه من غير عذرٍ؛ لأنَّ القضاء عندنا على الفور. فعلى هذا لا يعتبر تضايق وقت الثَّانية.

قال: والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ قضاء الفوائت موسَّعٌ على التَّراخي عند الشافعي وجماعة من العلماء، والقتل لا يجب لمختلفٍ في إباحته وحظره.

وعن أحمد روايةٌ أخرى، أنَّه إنَّما يجب قتله إذا ترك ثلاث صلواتٍ،وتضايق وقت الرَّابعة. وهذا اختيار الإصْطَخْرِي من الشَّافعية.ووجه هذا القول: أنَّ الموجب للقتل هو الإصرار على ترك الصلاة، والإنسان قد يترك الصلاة والصَّلاتين لكسلٍ، أوضجَرٍ، أوشغلٍ يزول قريبًا ولا يدوم؛ فلا يُسَمَّى بذلك تاركًا للصلاة. فإذا تكرَّر التَّرك مع الدُّعاء إلى الفعل عُلِم أنَّه إصرارٌ.وعن أحمد روايةٌ ثالثةٌ: أنَّه يجب قتله بترك صلاتين.

ولهذه الرِّواية مأخذان:


أحدهما: أنَّ التَّرك الموجب للقتل هو التَّرك المتكرِّر، لا مطلق التَّرك، حتى يطلق عليه أنَّه تارك الصلاة، وأقل ما يثبت به الترك المتكرِّر مرَّتان.

المأخذ الثَّاني: أنَّ من الصَّلاة ما تُجْمَع إحداهنَّ إلى الأخرى، فلا يتحقَّق تركها إلَّا بخروج وقت الثانية، فجعل ترك الصَّلاتين موجبًا للقتل.وأبوإسحاق وافق هذه الرِّواية في المجموعتين، ووافق رواية القتل بالواحدة في غير المجموعتين.


وحُكْم ترك الوضوء، والغسل من الجنابة، واستقبال القبلة، وستر العورة حُكْم تارك الصَّلاة. وكذلك حكم ترك القيام للقادر عليه هو كترك الصَّلاة، وكذلك ترك الركوع والسجود.

وإنْ تَرَك ركنًا أو شرطًا مختلفًا فيه وهو يعتقد وجوبه، فقال ابن عقيل: حكمُه حكمُ تارك الصلاة، ولا بأس أنْ نقول بوجوب قتله. وقال الشيخ أبو البركات: عليه الإعادة، ولا يقتل من أجل ذلك بحالٍ.

فوجه قول ابن عقيل: أنَّه تاركٌ للصلاة عند نفسه وفي عقيدته، فصاركتارك الركن والشَّرط المجمع عليه.

ووجه قول أبي البركات: أنَّه لا يُبَاح الدَّم بترك المختلف في وجوبه، وهذا أقرب إلى مأخذ الفقه. وقول ابن عقيل أقرب إلى الأصول؛ فإنَّ تارك ذلك عازمٌ وجازمٌ على الإتيان بصلاةٍ باطلةٍ، فهو كما لو ترك مُجْمَعًا عليه. وللمسألة غورٌ بعيدٌ يتعلَّق بأصول الإيمان، وأنَّه من أعمال القلوب واعتقادها.

حكم تارك الجمعة

روى مسلمٌ في "صحيحه" من حديث ابن مسعود: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لقومٍ يتخلَّفُون عن الجمعة: "لقد همَمْت أنْ آمر رجلًا يصلِّي بالنَّاس، ثم أحرِّق على رجالٍ يتخلَّفون عن الجمعة بيوتهم".

وعن أبي هريرة وابن عمر أنَّهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مِنبره: "لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات، أوليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين"، رواه مسلم في "صحيحه".

وفي "السُّنن" كلِّها، من حديث أبي الجَعْد الضَّمْري ـ وله صحبةٌ ـ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ ترك ثلاث جُمَعٍ تهاونًا طبع الله على قلبه". ورواه الإمام أحمد من حديث جابرٍ.

وأخطأ على الشَّافعي من نسب إليه القول بأنَّ صلاة الجمعة فرضٌ على الكفاية، إذا قام بها قومٌ سقطت عن الباقين؛ فلم يقل الشَّافعي هذا قطُّ، وإنَّما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد: إنَّها تجب على من تجب عليه صلاة الجمعة.

وجوب صلاة العيد

بل هذا نصٌّ من الشَّافعي أنَّ صلاة العيد واجبةٌ على الأعيان.وهذا هو الصَّحيح في الدَّليل؛ فإنَّ صلاة العيد من أعظم شعائر الإسلام الظَّاهرة، ولم يكن يتخلَّف عنها أحدٌ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّةً واحدةً.ولو كانت سُنَّةً لتَرَكها ولو مرَّةً واحدةً، كما تَرَك قيام رمضان؛ بيانًا لعدم وجوبه، وترك الوضوء لكلِّ صلاةٍ؛ بيانًا لعدم وجوبه، وغير ذلك. وأيضًا فإنَّه سبحانه وتعالى أمر بالعيد كما أمر بالجمعة، فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر/2].

وأَمَر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّحابة أنْ يغدوا إلى مصلَّاهم لصلاة العيد بعد أنْ فات وقتها، وثَبَت الشَّهر بعد الزَّوال.

وأمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العواتق وذوات الخدور والحُيَّض أنْ يخرجْن إلى العيد، وتعتزل الحُيَّض المصلَّى، ولم يأمر بذلك في الجمعة.

قال شيخنا: "فهذا يدلُّ على أنَّ العيد آكد من الجمعة".وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمسُ صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة"لا ينفي صلاة العيد؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس وظيفة اليوم واللَّيلة، وأمَّا العيد فوظيفة العام. ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطَّواف عند كثير من الفقهاء أنَّها ليست من وظائف اليوم والليلة المتكرِّرة. ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة. ولم يمنع من وجوب سجود التِّلاوة عند من أوجبه وجعله صلاةً. ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السَّلف. وهو قولٌ قويٌّ جدًّا.

والمقصود: أنَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى نصَّ على أنَّ من وَجَبَت عليه الجمعة وجب عليه العيد. ولكن قد يُقال: إنَّ هذا لا يُستفاد منه وجوبه على الأعيان؛ فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض. وفائدة ذلك تظهر في مسألتين:

إحداهما: أنَّه لو اشترك الجميع في فعله أُثِيبوا ثواب من أدَّى الواجب؛ لتعلُّق الوجوب بهم.

الثَّانية: لو اشتركوا في تركه استحقَّ الجميع الذَّم والعقاب.فلا يلزم من قوله: "تجب صلاة العيد على مَنْ تجب عليه صلاة الجمعة" أنْ تكون واجبةً على الأعيان ـ كالجمعة ـ، فهذا يمكن أنْ يُقال؛ ولكن ظاهر تشبيهه العيد بالجمعة، والتَّسوية بين مَن تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدلُّ على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قوله إنَّ الجمعة واجبة على الأعيان، فكذا العيد.

والمقصود بيان حكم تارك الجمعة.قال أبوعبدالله ابن حامد: ومَنْ جحد وجوب الجمعة كفر. فإنْ صلَّاها ظهرًا أربعًا مع اعتقاد وجوبها ـ قال: ـ فإنْ قلنا: هي ظهرٌ مقصورةٌ لم يكفر، وإلَّا كفر.

وهل يلحق تارك الصَّوم والحج والزَّكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ 


فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد.


إحداها: يُقْتَل بترك ذلك كلِّه، كما يُقْتَل بترك الصلاة.وحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ الزَّكاة والصِّيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة؛ ولهذا قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، وقال: "والله لأقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، إنَّها لقرينتها في كتاب الله".وأيضًا: فإنَّ هذه المباني من حقوق الإسلام، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُؤْمَر برفع القِتَال إلَّا عمَّن التزم كلمة الشهادة وحقَّها، وأخبر أنَّ عِصمة الدَّم لا تثبت إلَّا بحقِّ الإسلام؛ فهذا القتال للفئة الممتنعة.والقتل للواحد المقدور عليه إنَّما هو لترك حقوق الكلمة وشرائع الإسلام، وهذا أصحُّ الأقوال.

والرِّواية الثَّانية: لا يُقتل بترك غير الصَّلاة؛ لأنَّ الصَّلاة عبادة بدنيَّة لا تدخلها النِّيابة بحال، والصَّوم والحج والزَّكاة تدخلها النِّيابة، ولقول عبدالله بن شقيق: "كان أصحاب محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْن شيئًا من الأعمال تركه كفرٌ إلَّا الصَّلاة".ولأنَّ الصَّلاة قد اختصَّت من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها؛ فهي أول ما فرض الله من الإسلام؛ ولهذا أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -نوَّابَه ورسلَه أنْ يبدؤوا بالدَّعوة إليها بعد الشَّهادتين؛ فقال لمعاذٍ: "إنَّك ستأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فلْيكن أوَّلَ ما تدعوهم إليه شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك فأعلمهم أنَّ الله تعالى فَرَض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" الحديث.ولأنَّها أول ما يحاسب عليها العبد من عمله.ولأنَّ الله فرضها في السماء ليلة المعراج.ولأنَّها أكثر الفروض ذكرًا في القرآن، ولأنَّ أهل النَّار لمَّا سُئِلُوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر/42] لم يبدؤوا بشيءٍ غير ترك الصلاة.

ولأنَّ فرضَها لا يسقط عن العبد بحال دون حال ما دام عقله معه، بخلاف سائر الفروض، فإنَّها تجب في حال دون حالٍ.ولأنَّها عمودُ فُسْطاط الإسلام، وإذا سقط عمود الفُسْطاط وقع الفُسْطاط.ولأنَّها آخر ما يُفْقد من الدِّين.ولأنَّها فرضٌ على الحُرِّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والصَّحيح والمريض، والغني والفقير.ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بالتزام الصلاة، كما قال قتادة عن أنس: "لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل من أجابه إلى الإسلام إلَّا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة".ولأنَّ قبول سائر الأعمال موقوفٌ على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صومًا، ولا حجًّا، ولا صَدقةً، ولا جهادًا، ولا شيئًا من الأعمال؛ كما قال عون بن عبدالله: "إنَّ العبد إذا دخل قبره سُئِل عن صلاته أول شيء يُسْأَل عنه؛ فإنْ جازت له نُظِر فيما سوى ذلك من عمله، وإنْ لم تجز له لم ينظر في شيءٍ من عمله بعد"
.
ويدلُّ على هذا: الحديثُ الذي في "المسند"، و"السُّنن"، من رواية أبي هريرة عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "أول ما يُحَاسب به العبد من عمله يُحَاسب بصلاته، فإنْ صلحت فقد أفْلَح وأنْجَح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسر".ولو قُبِل منه شيءٌ من أعمال البِرِّ لم يكن من الخائبين الخاسرين.

والرواية الثَّالثة: يُقْتَل بترك الزَّكاة والصِّيام، ولا يُقْتَل بترك الحج؛ لأنَّه مختلفٌ فيه، هل هو على الفور، أوعلى التَّراخي. فمَن قال: "هو على التراخي" قال: كيف يُقتَل بتأخير شيءٍ موسَّعٍ له في تأخيره؟وهذا المأخذ ضعيفٌ جدًّا؛ لأنَّ من يقتله بتركه لا يقتله بمجرَّد
التأخير اتِّفاقًا، وإنَّما صورة المسألة: أنْ يعزم على تركه جملةً، ويقول: هو واجبٌ عليَّ ولا أحجُّ أبدًا= فهذا موضع النِّزاع.

والصَّواب: القول بقتله؛ لأنَّ الحجَّ من حقوق الإسلام، والعصمة لم تثبت لمن تكلَّم بالإسلام، إلَّا بحقِّه، والحج من أعظم حقوقه.


وأمَّا المسألة الرَّابعة: وهي أنَّه هل يقتل حدًّا، كما يقتل المحارب والزَّاني، أم يُقتل كما يُقتَل المرتدُّ والزِّنْديق؟ هذا فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.

إحداهما: يُقتَل كما يُقتَل المرتد. وهذا قول سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي عمرو الأوزاعي، وأيوب السختياني، وعبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه.وعبدالملك بن حبيب من المالكيَّة، وأحد الوجهين في مذهب الشافعي. وحكاه الطَّحاوي عن الشَّافعي نفسه.وحكاه أبومحمد ابن حزمٍ عن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة.

والثَّانية: يُقْتَل حدًّا، لا كفرًا. وهو قول مالكٍ، والشَّافعي، واختار أبوعبدالله ابن بطَّة هذه الرِّواية.

ونحن نذكر حُجَج الفريقين.قال الذين لا يكفِّرونه بتركها: قد ثَبَت له حكم الإسلام بالدُّخول فيه، فلا نخرجه منه إلَّا بيقين.

قالوا: وقد روى عبادة بن الصامت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "مَنْ شهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لاشريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حقٌّ، والنار حقٌّ= أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل". أخرجاه في "الصَّحيحين".

وعن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال ـ ومعاذٌ رديفه على الرَّحل ـ: "يا معاذ"، قال: لبَّيك يا رسول الله وسَعْديك ـ ثلاثًا ـ، قال: "ما مِنْ عبدٍ يشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله إلَّا حرَّمه الله على النَّار".

قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس، فيستبشروا؟ قال: "إذًا يتَّكِلُوا ". فأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا. متَّفقٌ على صِحَّته.

وعن أبي هريرة عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسعد النَّاس بشفاعتي من قال:
لا إله إلَّا الله، خالصًا من قلبه". رواه البخاري.

وعن أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قام بآيةٍ من القرآن يردِّدُها حتى صلَّى الغداة، قال: "ودَعَوْتُ لأُمَّتي وأُجِبْتُ بالذي لو اطَّلَعَ عليه كثيرٌ منهم تركوا الصَّلاة". فقال أبوذرٍّ: أفلا أبشِّر النَّاس؟ قال: "بلى".فانطلق، فقال عمر: إنَّك إنْ تبعث إلى الناس بهذا يتَّكلوا عن العبادة، فناداه: أنْ ارجع، فرجع. والآية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة/118]. رواه الإمام أحمد في "مسنده".

وفي "المسند" ـ أيضًاـ من حديث عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الدَّواوين عند الله عز وجل ثلاثة؛ دِيوانٌ لا يعبأ الله به شيئًا، ودِيوان لا يترك الله منه شيئًا، ودِيوان لا يغفره الله. فأمَّا الدِّيوان الذي لا يغفره الله: فالشِّرك، قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة/72]. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسَه فيما بينه وبين ربِّه؛ من صومٍ تركه أوصلاةٍ تركها؛ فإنَّ الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إنْ شاء. وأمَّا الدِّيوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا؛ القِصاص لا محالة".

وفي "المسند" ـ أيضًاـ عن عبادة بن الصَّامت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلواتٍ كتبهُنَّ الله على العِباد، من أتى بهِنَّ كان له عند الله عهدٌ أنْ يدخله الجنَّة، ومن لم يأت بهِنَّ فليس له عند الله عهدٌ، إنْ شاء عذَّبه، وإنْ شاء غفر له".

وفي "المسند" ـ أيضًا ـ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوَّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصَّلاة المكتوبة، فإنْ أتمَّها وإلَّا قيل: انظُرُوا هل له من تطوُّعٍ، فإنْ كان له تطوُّعٌ أُكْمِلَت الفريضة من تطوُّعِه، ثم يُفْعَل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك". رواه أهل "السُّنن". وقال الترمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ".

قالوا: وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "مَن كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دَخَل الجنَّة". وفي لفظٍ آخر: "مَنْ مات وهو يعلم أنْ لا إله إلَّا الله دخل الجنة".

وفي "الصَّحيح" قصَّة عتبان بن مالك، وفيها: "إنَّ الله قد حرَّم على النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله".

وفي حديث الشَّفاعة: يقول الله عز وجل: "وعزَّتي وجلالي لأخرجَنَّ من النَّار مَن قال: لا إله إلَّا الله". وفيه: "فيخرج من النَّار مَنْ لم يعمل خيرًا قطُّ".

وفي "السُّنن" و"المسانيد" قِصَّة صاحب البطاقة، الذي تُنْشَر له تسعة وتسعون سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ منها مدَّ البصر، ثم تخرج له بطاقةٌ، فيها شهادة أنْ لا إله إلَّا الله، فترجح سيِّئاته.
ولم يذكر في البطاقة غير الشَّهادة، ولو كان فيها غيرها لقال: "ثم تخرج له صحائف حسناته فتوزن سيِّئاته ". ويكفينا في هذا قوله: "فيخرج من النَّار من لم يعمل خيرًا قط"، ولو كان كافرًا لكان مخلَّدًا في النار غير خارجٍ منها.

فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التَّكفير، والتَّخليد، وتوجب من الرجاء له ما يُرْجى لسائر أهل الكبائر.

قالوا: ولأنَّ الكفر جُحُود التوحيد، وإنكار الرسالة والمعاد، وجَحْد ما جاء به الرسول، وهذا يقرُّ بالوحدانية، شاهدًا أنَّ محمدًا رسول الله، مؤمن بأنْ الله يبعث مَن في القبور= فكيف يُحْكَم بكفره والإيمان هو التَّصديق، وضدُّه التَّكذيب، لا ترك العمل؟ فكيف يُحْكَم للمصدِّق بحكم المكذِّب الجاحد؟

قال المكفِّرون: الذين رُوِيَت عنهم هذه الأحاديث التي استدللتم بها على عدم تكفير تارك الصلاة هم الذين حُفِظَ عنهم من الصَّحابة تكفير تارك الصَّلاة بأعيانهم.

قال أبومحمد ابن حزم: "وقد جاء عن عمر، وعبدالرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم: أنَّ مَن تَرَك صلاة فرضٍ واحدةٍ متعمِّدًا حتى يخرج وقتها فهو كافرٌ مرتدٌّ".

قالوا: ولا يُعْلَم لهؤلاء مخالفٌ من الصَّحابة.

وقد دلَّ على كفر تارك الصَّلاة الكتاب، والسُّنة، وإجماع الصَّحابة.


أدلة القرآن علي كفر تارك الصلاة

الدليل الأول

أمَّا الكتاب: قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} إلى قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم/35 - 43].

فوجه الدلالة من الآية: أنَّه سبحانه أخبر أنَّه لا يجعل المسلمين كالمجرمين، وأنَّ هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا بحكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين، الذين هم ضد المسلمين، فقال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم/42]، وأنَّهم يدعون إلى السُّجود لربِّهم تبارك وتعالى؛ فيُحال بينهم وبينه، فلا يستطيعون السُّجود مع المسلمين في دار الآخرة؛ عقوبةً لهم على ترك السُّجود له مع المصلِّين في دار الدنيا.

وهذا يدلُّ على أنَّهم مع الكفار والمنافقين، الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر، ولو كانوا من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسُّجُود كما أُذِنَ للمسلمين.

الدَّليل الثَّاني: 


قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر/38 - 47].

فلا يخلو؛ إمَّا أنْ يكون كُلُّ واحدٍ من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سَقَر، وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها.

فإنْ كان كُلُّ واحدٍ منها مستقلًّا بذلك فالدلالة ظاهرةٌ، وإنْ كان مجموع الأمور الأربعة، فهذا إنَّما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم، وإلَّا فكُلُّ واحدٍ منها مقتضٍ للعقوبة؛ إذْ لا يجوز أنْ يُضَمَّ ما لا تأثير له في العقوبة إلى ما هو مستقلٌّ بها.

ومن المعلوم أنَّ تَرْك الصَّلاة وما ذُكِرَ معه ليس شرطًا في العقوبة على التَّكذيب بيوم الدِّين، بل هو وحده كافٍ في العقوبة؛ فدلَّ على أنَّ كُلَّ وصفٍ ذكر معه كذلك؛ إذْ لا يمكن لقائلٍ أنْ يقول: لا يعذب إلَّا مَنْ جَمَع هذه الأوصاف الأربعة!

فإذا كان كُلُّ واحدٍ منها موجِبًا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السَّالكين في سَقَر، وقد قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر/47 - 48]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين/29]؛ فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين.

الدَّليل الثَّالث: 


قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور/56].

فوجه الدلالة: أنَّه سبحانه علَّق حصول الرَّحمة لهم بفعل هذه الأمور؛ فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصَّلاة، والرَّبُّ تعالى إنَّما جعلهم على رجاء الرَّحمة إذا فعلوها.

الدَّليل الرَّابع: 


قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون/4 - 5].
وقد اختلف السَّلف في معنى السَّهْو عنها؛ فقال سعد بن أبي وقَّاص، ومسروق بن الأجدع، وغيرهما: "هو تركها حتى يخرج وقتها".

ورُوِيَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ. قال محمد بن نصر المروزي:حدثنا شيبان بن أبي شيبة حدثنا عكرمة بن إبراهيم حدثنا عبدالملك ابن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه: أنَّه سأل النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}[الماعون/5] قال: "هم الذين يؤخِّرُون الصَّلاة عن وقتها".

وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلتُ لأبي: يا أبتاه، أرأيت قول الله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون/5] أيُّنا لا يسهو؟ أيُّنا لا يحدِّث نفسَه؟ قال: "إنَّه ليس ذاك، ولكنَّه إضاعة الوقت".

وقال حيوة بن شريح: أخبرني أبوصخر أنَّه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون/5] قال: "هو تاركها"، ثمَّ سأله عن الماعون، قال: "منع المال مِن حقِّه".

إذا عُرِفَ هذا فالوعيد بالويل اطَّرد في القرآن للكُفَّار؛ كقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [فصِّلت/6 - 7]، وقوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا} إلى قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الجاثية/7 - 9]، وقوله: {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [إبراهيم/2].إلَّا في موضعين، وهما: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين/1]، و {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة/1]؛ فعلَّق الويل بالتَّطفيف، وبالهَمْز واللَّمز، وهذا لا يكفر به بمجرده.

فويل تارك الصلاة إمَّا أنْ يكون ملحقًا بويل الكفار، أو بويل الفسَّاق، فإلحاقه بويل الكفار أولى؛ لوجهين:

أحدهما: أنَّه قد صحَّ عن سعد بن أبي وقاص في هذه الآية أنَّه قال: "لو تركوها لكانوا كفَّارًا، ولكن ضيَّعوا وقتها".

الثَّاني: ما سنذكره من الأدلَّة على كفره. يوضِّحه:

الدَّليل الخامس: 


وهو قوله سبحانه: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم/59].

قال شعبة بن الحجاج: حدثنا أبوإسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله ـ هو ابن مسعود ـ في هذه الآية قال: "هو نهرٌ في جهنَّم، خبيث الطَّعم، بعيد القعر".

وقال محمد بن نصْر: حدثنا عبيدالله بن سعد بن إبراهيم حدثنا محمد بن زياد بن زبَّار حدَّثني شرقي بن القطامي قال: حدثني لقمان بن عامر الخزاعي قال: جِئت أبا أمامة الباهلي فقلت: حدِّثْني حديثًا سمعتَه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لو أنَّ صخرةً قُذِفَ بها من شَفِير جهنَّم ما بلغت قعرها سبعين خريفًا، ثم تنتهي إلى غَيٍّ وأَثَام". قلتُ: وما غَيٌّ وأَثَام؟ قال: "بِئْران في أسفل جهنَّم، يسيل فيهما صديد أهل جهنَّم "، فهذا الذي ذكره الله في كتابه: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم/59]، و {أَثَامًا} [الفرقان/68].

قال محمد بن نصر: حدثنا الحسن بن عيسى حدثنا عبدالله بن المبارك أخبرنا هشيم بن بشير قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "إنَّ ما بين شفير جهنَّم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفًا، من حجرٍ يهوي، أو قال: صخرةٍ تهوي، عِظَمُها كعَشر عُشَرَاواتٍ، عِظَامٍ، سِمَانٍ"، فقال له مولى لعبدالرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك من شيءٍ يا أبا أمامة؟ قال: "نعم، غَيٌّ وأَثَام".

وقال أيوب بن بشير عن شُفَيِّ بن ماتِع قال: "إنَّ في جهنَّم واديًا يُسَمَّى غيًّا، يسيل دمًا وقيْحًا، فهو لمن خُلِقَ له، قال تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم/59] ".

فوجه الدلالة من الآية: أنَّ الله سبحانه جعل هذا المكان من النَّارلمن أضاع الصَّلاة واتَّبَع الشَّهوات، ولو كان مع عُصاة المسلمين لكانوا في الطَّبقة العُلْيا من طبقات النَّار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها؛ فإنَّ هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنة الكُفَّار.

ومن الآية دليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [مريم/59 - 60]. فلو كان مضيِّع الصَّلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان؛ فإنَّه يكون تحصيلًا للحاصل.

الدَّليل السَّادس: 


قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة/11]. فعلَّق أخوَّتَهم للمؤمنين بفعل الصَّلاة، فإذا لم يفعلوها لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونوا مؤمنين؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات/10].

الدَّليل السَّابع:


 قوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة/31 - 32]. فلمَّا كان الإسلام تصْديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضِدَّين؛ عدم التَّصْديق، وعدم الصَّلاة. وقابَلَ التَّصْديقَ بالتَّكذيب، والصَّلاة بالتَّوَلِّي، فقال: {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة/32].
فكما أنَّ المكذِّب كافرٌ فالمتولِّي عن الصَّلاة كافرٌ، وكما يزول الإسلام بالتَّكذيب يزول بالتولِّي عن الصَّلاة.

قال سعيد عن قتادة: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى}: "لا صدَّق بكتاب الله، ولا صلَّى لله، {وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}: كذَّب بآيات الله، وتولَّى عن طاعته، {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}: وعيدٌ على إثر وعيدٍ".

الدَّليل الثَّامن:


 قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون/9]. قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: "هي الصَّلاة المكتوبة".

ووجه الاستدلال بالآية: أنَّ الله حَكَم بالخُسْران المطلق على مَنْ ألْهَاهُ مالُه وولدُه عن الصَّلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلَّا للكفَّار؛ فإنَّ المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الرِّبْح.يوضِّحُهُ: أنَّه سبحانه وتعالى أكَّد خسران تارك الصلاة في هذه الآية 

بأنواع من التأكيد:
أحدها: إتيانه بلفظ الاسم الدَّال على ثبوت الخسران ولزومه، دون الفعل الدَّال على التجدُّد والحدوث.
الثَّاني: تصدير الاسم بالألف واللَّام، المؤذنة بحصول كمال المسمَّى لهم؛ فإنَّك إذا قلتَ: زيدٌ العالمُ الصَّالحُ، أفاد ذلك إثبات كمال ذلك له، بخلاف قولك: عالمٌ صالحٌ.
الثَّالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفتين، وذلك من علامات انْحصار الخبر في المبتدأ؛ كما في قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة/5]، وقوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة/254]، وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال /4]، ونظائره.
الرَّابع: إدخاله ضمير الفصْل بين المبتدأ والخبر، وهو يفيد مع الفصل فائدتين أخريين؛ قوة الإسناد، واختصاص المسنَد إليه بالمسند؛
كقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج /64]، وقوله: {وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة/76]، وقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف/98]، ونظائر ذلك.

الدَّليل التَّاسع: 


قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة /15].
ووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه نفى الإيمان عمَّن إذا ذُكِّر بآيات الله لم يخرَّ ساجدًا مسبِّحًا بحمد ربِّه، ومن أعظم التَّذكير بآياته التَّذكير بآيات الصَّلاة؛ فمن ذُكِّر بها فلم يتذكَّر ولم يصلِّ فلم يؤمن بها؛ لأنَّه سبحانه خصَّ المؤمنين بها بأنَّهم أهل السُّجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه. فلم يؤمن بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة/43]، إلَّا من التزم إقامتها.

الدَّليل العاشر:


 قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات/48 - 49]، ذكر هذا بعد قوله: {كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ} [المرسلات/46]، ثمَّ توعَّدهم على ترك الرُّكوع ــ وهوالصَّلاة ــ إذا دُعُوا إليها. ولا يُقَال: إنِّما توعَّدَهم على التَّكذيب؛ فإنَّه سبحانه إنَّما أخبر عن تركهم لها، وعليه وَقَع الوعيد.على أنَّا نقول: لا يُصِرُّ على ترك الصَّلاة إصْرارًا مستمرًّا مَن يصدِّق بأنَّ الله أمَرَ بها أصْلًا؛ فإنَّه يستحيل في العادة والطَّبيعة أنْ يكون الرجل مصدِّقًا تصديقًا جازمًا أنَّ الله سبحانه فرض عليه كُلَّ يومٍ وليلةٍ خمس صلوات، وأنَّه يعاقبه على تركها أشدَّ العقاب= وهو مع ذلك مصرٌّ على تركها؛ هذا من المستحيل قطعًا.فلا يحافظ على تركها مصدِّقٌ بفرضها أبدًا؛ فإنَّ الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمره بها فليس في قلبه شيء من الإيمان.
ولا يُصْغَى إلى كلام مَنْ ليس له خبرةٌ ولا علمٌ بأحكام القلوب وأعمالها. وتأمَّل هل في الطَّبيعة أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ بالوعد والوعيد، والجنَّة والنَّار، وأنَّ الله فرض عليه الصَّلاة، وأنَّه معاقبه على تركها= وهو محافظٌ على التَّرك في صحَّتِه وعافيته، وعدم الموانع المانعة له من الفعل.وهذا القَدْر هو الذي خَفِي على من جعل الإيمان مجرَّد التَّصديق وإنْ لم يقارنه فِعْلُ واجبٍ ولا تَرْك محرَّمٍ، وهذا من أمحل المحال؛ أنْ يقوم بقلب العبد إيمانٌ جازمٌ لا يتقاضاه فعل طاعةٍ ولا ترك معصيةٍ.

ونحن نقول: الإيمان هو التَّصديق، ولكن ليس التَّصديق مجرَّد اعتقاد صِدْق المخبر، دون الانقياد له. ولو كان مجرَّد اعتقاد التَّصديق إيمانًا لكان إبليس، وفرعون وقومه، وقوم صالح، واليهود الذين عرفوا أنَّ محمدًا رسول الله كما يعرفون أبناءهم =مؤمنين مصدِّقين! وقد قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} أي: يعتقدون أنَّك صادق {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام/33]، والجحود لا يكون إلَّا بعد معرفة الحق.

وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل/14].

وقال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء/102]. وقال تعالى عن اليهود: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة/146].

وأبلغ من هذا قول النَّفَرَ من اليهود لمَّا جاؤوا إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وسألوه عمَّا دلَّهم على نبوَّتِه، فقالا: نشهد أنَّك نَبيٌّ، فقال: "ما يمنعكما من اتِّباعي؟ " قالا: إنَّ داود دعا أنْ لا يزال في ذُرِّيَّته نبيٌّ، وإنَّا نخاف إنِ اتَّبعناك أنْ تقتلنا يهود.فهؤلاء قد أقرُّوا بألسنتهم إقرارًا مطابقًا لمعتقدهم أنَّه نبيٌّ، ولم يدخلوا بهذا التَّصديق والإقرار في الإيمان؛ لأنَّهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره.ومن هذا كفر أبي طالب؛ فإنَّه عَرَف حقيقة المعرفة أنَّه صادقٌ، وأقرَّ بذلك بلسانه، وصرَّح به في شعره، ولم يدخل بذلك في الإسلام.

فالتَّصديق إنَّما يتمُّ بأمرين:

أحدهما: اعتقاد الصِّدق.

 والثَّاني: محبَّة القلب وانقياده.

ولهذا قال تعالى لإبراهيم: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات/105]. وإبراهيم كان معتقدًا لصِدْق رؤياهُ من حين رآها؛ فإنَّ رؤيا الأنبياء وحيٌ، وإنَّما جعله مصدِّقًا لها بعد أنْ فعل ما أُمِر به.

وكذلك قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه". فجَعَل التَّصديق عَمَل الفَرج ما تمنَّى القلب، والتَّكذيب تركه لذلك. وهذا صريحٌ في أنَّ التَّصديق لا يصحُّ إلَّا بالعمل.
وقال الحسن: "ليس الإيمان بالتمنِّي، ولا بالتحلِّي، ولكن ما وَقَر في القلب، وصدَّقه العمل". وقد رُوِيَ هذا مرفوعًا.

والمقصود: أنَّه يمتنع مع التَّصديق الجازم بوجوب الصَّلاة، والوعد على فعلها، والوعيد على تركها= المحافظة على تركها. وبالله التوفيق.

أدلة السنة علي كفر تارك الصلاة

وأمَّا الاستدلال بالسُّنَّة على ذلك، فمن وجوه:

الدَّليل الأوَّل: 


ما رواه مسلمٌ في "صحيحه" عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بين الرَّجل وبين الكفر ترك الصَّلاة". ورواه أهل "السُّنن"، وصحَّحه الترمذي.

الدَّليل الثَّاني:


 ما رواه بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "العَهْد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَنْ تَرَكها فقد كفر". رواه الإمام أحمد، وأهل "السُّنن". وقال الترمذي: "حديثٌ صحيحٌ". وإسنادُه على شرط مسلم.

الدَّليل الثَّالث:


 ما رواه ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان الصَّلاة؛ فإذا تركها فقد أشرك". رواه هبة الله الطَّبري، وقال: "إسنادُه صحيحٌ، على شرط مسلم".

الدَّليل الرَّابع:


 ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه ذكر الصَّلاة يومًا، فقال: "مَنْ حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ ابن خلف"، رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبوحاتم ابن حبَّان في "صحيحه".وإنَّما خصَّ هؤلاء الأربعة بالذِّكر لأنَّهم من رؤوس الكفرة.

وفيه نكتةٌ بديعة، وهي: أنَّ تارك المحافظة على الصَّلاة إمَّا أنْ يشغله ماله، أو ملكه، أو رياسته، أوتجارته؛ فمَنْ شَغَلَه عنها مالُه فهو مع قارون، ومن شَغَلَه عنها ملكُه فهو مع فرعون، ومن شَغَلَه عنها رياستُه ـ من وزارةٍ أوغيرها ـ فهو مع هامان، ومن شَغَلَه عنها تجارتُه فهو مع أُبَيِّ بن خلف.

الدَّليل الخامس:


 ما رواه عُبادة بن الصَّامت قال: أوصانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تُشْركُوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصَّلاة عمدًا؛ فمن تركها عمدًا متعمِّدًا فقد خَرَج من المِلَّة". رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم في "سُنَنه".

الدَّليل السَّادس:


 ما رواه معاذ بن جبلٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد برِئَت منه ذِمَّة الله". رواه الإمام أحمد.ولو كان باقيًا على إسلامه لكانت له ذِمَّة الإسلام.

الدَّليل السَّابع:


 ما رواه أبو الدَّرداء قال: "أوصاني أبوالقاسم - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا أترك الصَّلاة متعمِّدًا، فمَن تركها متعمِّدًا فقد برِئَت منه الذِّمَّة". رواه عبدالرحمن بن أبي حاتم في "سننه".
الدَّليل الثَّامن: ما رواه معاذ بن جبل عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة". وهو حديثٌ صحيحٌ، مختصرٌ.ووجه الاستدلال به: أنَّه أخبر أنَّ الصَّلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة؛ فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها، فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصَّلاة، وقد احتجَّ أحمد بهذا بعينه.
الدَّليل التَّاسع: ما في "الصَّحِيحَين"، و"السُّنن"، و"المسانيد"، من حديث عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِي الإسلام على خمسٍ؛ شهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". ورواه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه: "الإسلام خمسٌ"، فذكره.

ووجه الاستدلال به من وجوه:

أحدها: أنَّه جعل الإسلام كالقُبَّة المبنيَّة على خمسة أركان، فإذا وقع ركنها الأعظم وقعت قُبَّة الإسلام
.
الثَّاني: أنَّه جعل هذه الأركان في كونها أركانًا لقُبَّة الإسلام قرينة الشهادتين؛ فهما ركنٌ، والصَّلاة ركنٌ، والزَّكاة ركنٌ؛ فما بال قبَّة الإسلام تبقى بعد سقوط أحد أركانها دون بقيَّة أركانها!

الثَّالث: أنَّه جعل هذه الأركان نفس الإسلام، وداخلة في مسمَّى اسمه، وما كان اسمًا لمجموع أمورٍ إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمَّى، ولا سيَّما إذا كان من أركانه، لا من أجزائه التي ليست بركنٍ له، كالحائط للبيت؛ فإنَّه إذا سقط سقط البيت، بخلاف العُود والخشبة واللَّبِنَة ونحوها.

الدَّليل العاشر: 


عن أنسٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المُسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا".
ووجه الدلالة فيه من وجهين:

أحدهما: أنَّه إنَّما جعله مسلمًا بهذه الثَّلاثة، فلا يكون مسلمًا بدونها.

الثَّاني: أنَّه إذا صلَّى إلى الشَّرق لم يكن مسلمًا حتى يصلِّي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصَّلاة بالكلِّيَّة!


الدَّليل الحادي عشر:


 ما رواه الدَّارمي ـ عبدالله بن عبدالرحمن ـ قال: حدثنا يحيى بن حسَّان حدثنا سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتَّات عن مجاهد عن جابر بن عبدالله عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مفتاح الجنَّة الصلاة".وهذا يدلُّ على أنَّ من لم يكن من أهل الصَّلاة لم تفتح له الجنَّة، وهي تفتح لكُلِّ مسلمٍ؛ فليس تاركها مسلمًا.

ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر؛ وهو قوله: "مفتاح الجنَّة شهادة أنْ لا إله إلَّا الله"؛ فإنَّ الشَّهادة أصل المفتاح، والصَّلاة وبقيَّة الأركان أسنانه، التي لا يحصل الفتح إلَّا بها؛ إذْ دخول الجنَّة موقوفٌ على المفتاح وأسنانه.

وقال البخاريُّ: "وقيل لوهب بن منبِّه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إلَّا وله أسنان، فإنْ جِئْت بمفتاحٍ له أسنان فتح لك، وإلَّا لم يفتح لك ".

الدَّليل الثَّاني عشر:


 ما رواه محجن بن الأدْرَع الأسلمي: أنَّه كان في مجلسٍ مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأذَّن بالصَّلاة، فقام النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال له: ما منعك أن تصلِّي؟ ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟ قال: بلى؛ ولكنِّي صلَّيت في أهلي، فقال له: "إذا جِئْتَ فَصَلِّ مع الناس وإن كنت قد صَلَّيْت". رواه الإمام أحمد، والنسائي.
فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصَّلاة. وأنت تجد تحت ألفاظ الحديث: "إنَّك لو كنت مسلمًا لصلَّيْت". وهذا كما تقول: مالك لا تتكلَّم؟ ألستَ بناطقٍ! ومالك لا تتحرَّك؟ ألستَ بحيٍّ!

ولو كان الإسلام يثْبُت مع عدم الصَّلاة لما قال لمن رآه لا يصلِّي: "أَلَسْت برجلٍ مسلمٍ".

أدلة إجماع الصحابة علي كفر تارك الصلاة 

وأمَّا إجماع الصَّحابة فقال ابن زنجويه: حدثنا عمر بن الربيع حدثنا يحيى بن أيوب عن يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أنَّ عبدالله بن عباس أخبره: أنَّه جاء عمر بن الخطاب حين طُعِن في المسجد، قال: فاحتملْتُهُ أنا ورهطٌ كانوا معي في المسجد، حتى أدخلناه بيته، قال: فأمر عبدَالرحمن بن عوف أنْ يصلِّي بالناس، قال: فلمَّا دخلنا على عمر بيته غُشِي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلَّى النَّاس؟ قال: فقلنا: نعم، فقال: "لا إسلام لمن ترك الصَّلاة". وفي سياقٍ آخر: "لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة"، ثم دعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ وصلَّى. وذكر القصَّة.
فقال هذا بمحضرٍ من الصَّحابة، ولم ينكروه عليه. وقد تقدَّم مثل ذلك عن معاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن عوف، وأبي هريرة، ولا يُعلَم عن صحابيٍّ خلافهم.


وقال الحافظ عبدالحق الإشبيلي رحمه الله في كتابه في الصَّلاة: "ذهب جملةٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى تكفير تارك الصَّلاة متعمدًا؛ لتركها حتى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعبدالله بن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأبو الدَّرداء رضي الله عنهم، وكذلك رُوِي عن علي بن أبي طالب، هؤلاء من الصَّحابة.
ومِن غيرهم: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبدالله بن المبارك، وإبراهيم النَّخعي، والحكم بن عُتيبة، وأيوب السِّختياني، وأبوداود الطيالسي، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوخيثمة زهير بن حرب".

قال المانعون من التَّكفير: يجب حمل هذه الأحاديث وما شاكلها على كفر النِّعمة، دون كفر الجُحود؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من تعلَّم الرَّمي ثم تركه فهي نعمةٌ كَفَرَها"،
وقوله: "لا ترغبوا عن آبائكم؛ فإنَّه كُفْرٌ بكم"، وقوله: "تبرؤٌ من نسبٍ وإنْ دقَّ كُفْرٌ بعد إيمانٍ"، وقوله: "سِباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفرٌ"، وقوله: "من أتى امرأةً في دُبُرها فقد كَفَر بما أُنزل على محمَّد"،وقوله: "مَنْ حَلَف بغير الله فقد كَفَر".
رواه الحاكم في "صحيحه" بهذا اللَّفظ، وقوله: "ثنتان في أُمَّتي هما بهم كفرٌ؛ الطَّعن في الأنساب، والنِّياحة على الميِّت". ونظائر ذلك كثيرةٌ.

قالوا: وقد نفى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر، والمنتهِب، ولم يوجب زوال هذا الاسم عنهم كفر الجحود والخلود في النَّار؛ فكذلك كفر تارك الصلاة، ليس بكفر جُحُودٍ، ولا يوجب التَّخليد في الجحيم.

وقد قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا إيمان لمن لا أمانة له". فنَفَى عنه الإيمان،
ولا يوجب ترك أداء الأمانة أنْ يكون كافرًا كُفْرًا ينقل عن المِلَّة.

وقد قال ابن عباسٍ في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/44]: "ليس بالكفر الذي يذهبون إليه". وقال طاووس: سُئِل ابن عبَّاس عن هذه الآية فقال: "هو به كفرٌ، وليس كمَنْ كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله". وقال أيضًا: "كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة".

وقال سفيان عن ابن جريح عن عطاءٍ: "كُفرٌ دون كُفْرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفِسقٌ دون فسقٍ.


 الحُكم بين الفريقين وفصْل الخِطاب بين الطَّائفتين

معرفة الصَّواب في هذه المسألة مبنيٌّ على معرفة حقيقة الإيمان والكفر، ثم يصحُّ النَّفي والإثبات بعد ذلك؛ فالكفر والإيمان متقابلان، إذا زال أحدهما خَلَفَه الآخر.
ولمَّا كان الإيمان أصلًا، له شعبٌ متعدِّدةٌ، وكُلُّ شعبةٍ منها تُسَمَّى إيمانًا، فالصَّلاة من الإيمان، وكذلك الزَّكاة، والحج، والصِّيام، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكُّل، والخشية من الله، والإنابة إليه، حتَّى تنتهي هذه الشُّعَب إلى إماطة الأذى عن الطَّريق؛ فإنَّه شعبةٌ من شعب الإيمان.

وهذه الشُّعَب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشُعْبة الشَّهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطَّريق، وبينهما شُعَبٌ متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا؛ منها ما يلحق شُعْبة الشَّهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق شعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب.
وكذلك الكفر ذو أصلٍ وشُعَبٍ، فكما أنَّ شُعَب الإيمان إيمانٌ فشُعَب الكفر كفرٌ؛ فالحياء شُعْبةٌ من شُعَب الإيمان، وقِلَّة الحياء شُعْبةٌ من شعب الكفر. والصِّدْق شعبةٌ من شعب الإيمان، والكذب شعبةٌ من شعب الكفر. والصَّلاة والزَّكاة والحج والصِّيام من شعب الإيمان، وتركها من شعب الكفر. والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر. والمعاصي كُلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلَّها من شعب الإيمان.وشعب الإيمان قِسْمان: قوليَّة، وفعليَّة. وكذلك شعب الكفر نوعان: قوليَّة، وفعليَّة.ومن شعب الإيمان القوليَّة شعبةٌ يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شُعَبِه الفِعليَّة ما يوجب زوالها زوال الإيمان.

وكذلك شعب الكفر القوليَّة والفعليَّة؛ فكما يكفر بالإتيان بكلمة الكُفْر اختيارًا ـ وهي شُعْبَةٌ من شعب الكفر ـ فكذلك يكفر بفعل شُعْبةٍ من شُعَبِه، كالسُّجود للصَّنَم، والاستهانة بالمصحف، فهذا أصلٌ.وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ حقيقة الإيمان مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ.

والقول قِسْمان: قول القلب، وهو الاعتقاد. وقول اللِّسان، وهو التكلُّم بكلمة الإسلام. والعمل قِسْمان: عمل القلب، وهو نيَّتُه وإخلاصه. وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقيَّة الأجزاء؛ فإنَّ تصديق القلب شرطٌ
في اعتقادها، وكونها نافعة.وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصِّدق فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السُّنَّة.

فأهل السُّنَّة مجمعون على زوال الإيمان، وأنَّه لا ينفع التَّصديق مع انتفاء عمل القلب، وهومحبَّته وانقياده؛ كما لم ينفع إبليس، وفرعون وقومه، واليهود، والمشركين الذين كانوا يعتقدون صِدق الرسول؛ بل ويُقِرُّون به سِرًّا وجهرًا، ويقولون: ليس بكاذِبٍ، ولكن لا نتَّبِعه ولا نؤمن به.

وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكرٍ أنْ يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح؛ ولا سيَّما إذا كان ملزُوْمًا لعدم محبَّة القلب وانقياده؛ الذي هو ملزُوْمٌ لعدم التَّصديق الجازم، كما تقدَّم تقريره.فإنَّه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ إذْ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت. ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التَّصديق المستلزم للطَّاعة، وهو حقيقة الإيمان؛ فإنَّ الإيمان ليس مجرَّد التَّصديق ـ كما تقدَّم بيانه ـ وإنَّما هو التَّصديق المستلزم للطَّاعة والانقياد.وهكذا الهُدَى ليس هو مجرَّد معرفة الحق وتبيُّنه؛ بل هو معرفته المستلزمة لاتِّباعه، والعمل بموجبه، وإنْ سُمِّيَ الأول هُدًى فليس هو الهُدى التَّام المستلزم للاهتداء. كما أنَّ اعتقاد التَّصْديق وإنْ سُمِّيَ تصْديقًا فليس هو التَّصديق المستلزم للإيمان.فعليك بمراجعة هذا الأصل ومراعاته.



وههنا أصلٌ آخر، وهو أنَّ الكفر نوعان، كفر عملٍ، وكفر جحودٍ وعنادٍ؛ فكفر الجحود: أنْ يكفر بما عَلِم أنَّ الرَّسول جاء به من عند الله، جُحُودًا وعنادًا، من أسماء الرَّب وصفاته وأفعاله وأحكامه.وهذا الكفر يضادُّ الإيمان من كُلِّ وجهٍ.وأمَّا كفر العمل: فينقسم إلى ما يضادُّ الإيمان، وإلى ما لا يضادُّه.فالسُّجُود للصَّنَم، والاستهانة بالمصْحف، وقتل النَّبيِّ وسبُّه يضادُّ الإيمان.وأمَّا الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصَّلاة فهو من الكفر العملي قطعًا. ولا يمكن أن يُنْفَى عنه اسم الكفر، بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه. فالحاكم بغير ما أنزل الله كافِرٌ، وتارك الصلاة كافِرٌ، بنصِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولكن هو كُفْرُ عمل، لا كفر اعتقادٍ. ومن الممتنع أنْ يسمِّي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافِرًا، ويُسَمِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تارك الصلاة كافِرًا، ولا يُطْلَق عليهما اسم الكفر!
وقد نفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسم الإيمان عن الزَّاني، والسَّارق، وشارب الخمر، وعمَّن لا يأْمَنُ جارُه بوائقَه. وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافرٌ من جهة العَمَل، وإنْ انتفى عنه كفر الجحود والاعتقاد.

وكذلك قوله: "لا ترجعوا بعدي كفَّارًا، يضرِب بعضُكم رقاب
بعض"؛ فهذا كفر عملٍ.وكذلك قوله: "من أتى كاهِنًا فصدَّقه، أوامرأةً في دُبُرها فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ".وقوله: " إذا قال الرَّجل لأخيه: يا كافر فقد باءَ بها أحدُهما".

وقد سمَّى الله سبحانه من عمل ببعض كتابه وترك العمل ببعضه مؤمنًا بما عمل به، وكافرًا بما ترك العمل به؛ فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة/84 - 85].

فأخبر سبحانه أنَّهم أقرُّوا بميثاقه الذي أمرهم به، والتزموا به. وهذا يدلُّ على تصديقهم به؛ أنَّهم لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم. ثمَّ أخبر أنَّهم عصوا أمره، وقتل فريقٌ منهم فريقًا، وأخرجوهم من ديارهم؛ فهذا كُفْرُهم بما أَخَذَ عليهم في الكتاب. ثمَّ أخبر أنَّهم يفدون مَنْ أُسِر من ذلك الفريق، وهذا إيمانٌ منهم بما أَخَذَ عليهم في الكتاب؛ فكانوا مؤمنين بما عملوا به من الميثاق، كافرين بما تركوه منه.فالإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضادُّه الكفر الاعتقادي.

وقد أعلن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بما قلناه في قوله في الحديث الصَّحيح: "سباب المسلم فُسُوقٌ وقتاله كفرٌ". ففرَّق بين سِبَابِه وقتالِه، وجعل أحدَهما فُسُوقًا لا يكفر به، والآخر كفرًا.ومعلومٌ أنَّه إنَّما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي. وهذا الكفر لا يخرجه من الدَّائرة الإسْلامية، والمِلَّة بالكُلِّيَّة، كما لم يخرج الزَّاني والسَّارق والشَّارب من المِلَّة، وإنْ زال عنه اسم الإيمان.

وهذا التَّفصيل هو قول الصَّحابة، الذين هم أعلم الأُمَّة بكتاب الله، وبالإسلام، والكفر، ولوازمهما؛ فلا تُتَلَقَّى هذه المسائل إلَّا عنهم. فإنَّ المتأخِّرين لم يفهموا مرادهم، فانقسموا فريقين:
فريقًا أخرجوا من المِلَّة بالكبائر، وقضوا على أصحابها بالخلود في النَّار.

وفريقًا جعلوهم مؤمنين، كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا، وهؤلاء جفوا. وهدى الله أهل السُّنَّة للطَّريقة المثلى، والقول الوسط، الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل.فههنا كُفْرٌ دون كُفْرٍ، ونِفاقٌ دون نِفاقٍ، وشِرْكٌ دون شِرْكٍ، وفُسُوقٌ دون فُسُوقٍ، وظُلمٌ دون ظُلمٍ.

قال سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة/44]: "ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه ".
وقال عبدالرزَّاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سُئِل ابن عباس عن قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/44] قال: "هو بهم كُفْرٌ، وليس كَمَن كَفَر بالله وملائكته وكتبه ورسله". وقال في روايةٍ أخرى عنه: "كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة".

وقال طاووس: "ليس بكُفْرٍ ينقل عن المِلَّة".وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاءٍ: "كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقٍ".وهذا الذي قاله عطاء بيِّنٌ في القرآن لمن فهمه؛ فإنَّ الله سبحانه سمَّى الحاكم بغير ما أنزله كافِرًا، وسمَّى جاحِد ما أنزله على رسوله كافرًا. وليس الكافران على حَدٍّ سواء.وسمَّى الكافر ظالمًا؛ كما في قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة/254]. وسمَّى متعدِّي حدوده في النِّكاح، والطَّلاق، والرَّجعة، والخُلْع ظالمًا؛ فقال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق/1]. وقال يونس رسوله ونبيُّه: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء/87]. وقال صفيُّه آدم: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف/23].

وقال كليمُه موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص/16]. وليس هذا الظُّلم مثل ذلك الظُّلم.

وسمَّى الكافر فاسقًا؛ كما في قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية [البقرة/26 - 27]. وقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} [البقرة/99]. وهذا كثيرٌ في القرآن.

وسمَّى المؤمن العاصي فاسقًا؛ كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات/6]، الآية. نزلت في الحكم بن أبي العاص، وليس الفاسق كالفاسق.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور/4]. وقال عن إبليس: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف/50]. وقال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} [البقرة/197]. وليس الفُسُوق كالفسوق.والكُفر كُفْران، والظُّلْم ظُلْمان، والفِسْق فِسْقان.
وكذا الجَهْل جهلان؛ جهْلٌ كُفْرٌ، كما في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف/199].

وجهْلٌ غيرُ كُفْرٍ، كقوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء/17].

وكذلك الشِّرْك شِركان؛ شركٌ ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأكبر. وشركٌ لا ينقل عن المِلَّة، وهو الشِّرك الأصغر، وهو شرك العمل، كالرِّياء.

وقال تعالى في الشِّرك الأكبر: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة/72]، وقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج/31]. وفي شِرك الرِّياء: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف/110].

ومن هذا الشِّرك الأصغر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من حَلَف بغير الله فقد أشرك"، رواه أبوداود وغيره. ومعلومٌ أنَّ حلفه بغير الله لا يخرجُه عن المِلَّة، ولا يوجب له حكم الكفَّار.

ومن هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشِّرْك في هذه الأمة أخفى من دَبِيْب النَّمل".
فانظر كيف انقسم الشِّرك، والكُفر، والفُسُوق، والظُّلم، والجَهْل، إلى ما هو كفرٌ ينقل عن المِلَّة، وإلى ما لا ينقل عنها.وكذلك النِّفاق نِفاقان؛ نِفاق اعْتِقادٍ، ونِفاق عَمَلٍ.فنفاق الاعْتِقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم به الدَّرْك الأسفل من النَّار.
ونفاق العَمَل، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصَّحيح: "آية المنافق ثلاثٌ؛ إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِن خان".

وفي الصَّحيح أيضًا: "أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خِصلةٌ منهُنَّ كانت فيه خِصلةٌ من النِّفاق حتى يَدَعها؛ إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتُمِن خان".

فهذا نفاق عملٍ، قد يجتمع مع أصْل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبُه عن الإسلام بالكُلِّيَّة، وإنْ صلَّى وصام وزَعَم أنَّه مسلمٌ؛ فإنَّ الإيمان ينْهَى المؤمن عن هذه الخِلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له عذرٌ ما ينهاه عن شيءٍ منها فهذا لايكون إلَّا منافقًا خالصًا.

وكلام الإمام أحمد يدلُّ على هذا، فإنَّ إسماعيل بن سعيد الشَّالَنْجِي قال: "سألتُ أحمد بن حنبل عن المُصِرِّ على الكبائر؛ يطلُبُهَا بجهدِه، إلَّا أنَّه لم يترك الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم، هل يكون مُصِرًّا مَنْ كانت هذه حاله؟ قال: هو مُصِرٌّ، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمنٌ"، يخرج من الإيمان، ويقع في الإسلام. ونحو قوله: "لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرق حين يَسْرق وهو مؤمنٌ". ونحو قول ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/44].
قال إسماعيل: فقلتُ له: ما هذا الكفر؟ قال: كفرٌ لا ينقل عن المِلَّة. مثل الإيمان، بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمرٌ لا يُخْتَلَفُ فيه".


وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّ الرجل قد يجتمع فيه كفرٌ وإيمانٌ، وشركٌ وتوحيدٌ، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمانٌ. وهذا من أعظم أصول أهل السُّنة. وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع؛ كالخوارج، والمعتزلة، والقدريَّة.ومسألة خروج أهل الكبائر من النَّار، وتخليدهم فيها مبنيَّةٌ على هذا الأصل. وقد دلَّ عليه القرآن، والسُّنَّة، والفِطْرة، وإجماع الصَّحابة.وقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف/106]. فأثْبَت لهم إيمانًا به سبحانه مع الشِّرك.

وقال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات/14]. فأثْبَت لهم إسلامًا، وطاعةً لله ورسوله، مع نفي الإيمان عنهم؛ وهو الإيمان المطلق الذي يستحقُّ اسمه بمطلقه الذين: {آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الحجرات/15].وهؤلاء ليسوا منافقين في أصحِّ القولين؛ بل هم مسلمون بما معهم من طاعة الله ورسوله. وليسوا بمؤمنين، وإنْ كان معهم جزءٌ من الإيمان أخرجهم من الكفر.

قال الإمام أحمد: من أتى هذه الأربعة أومثلهنَّ، أوفوقهنَّ ـ يريدُ الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر، والانتهاب ـ فهو مسلمٌ، ولا أسمِّيه مؤمنًا، ومَن أتَى دون ذلك ــ يريد: دون الكبائر ـ سمَّيتُه مؤمنًا ناقص الإيمان.

وقد دلَّ على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فمن كانت فيه خَصْلةٌ منهنَّ كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق"؛ فدلَّ على أنَّه يجتمع في الرجل نفاقٌ وإسلامٌ.وكذلك الرِّياء شركٌ، فإذا راءَى الرجل في شيءٍ من عمله اجتمع فيه الشِّرك والإسلام، وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سمَّاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفرًا ـ وهو ملتزمٌ للإسلام وشرائعه ـ فقد قام به كفرٌ وإسلامٌ.

وقد بيَّنَّا أنَّ المعاصي كُلَّها شُعبٌ من شُعب الكفر، كما أنَّ الطَّاعات كلها شُعبٌ من شُعب الإيمان. فالعبد تقوم به شعبةٌ أوأكثر من شُعب الإيمان، وتقوم به شُعبةٌ أوأكثر من شُعب الكفر، وقد يُسمَّى بتلك الشُّعب مؤمنًا، وقد لا يُسمَّى، كما أنَّه قد يُسمَّى بشُعب الكفر كافرًا، وقد لا يُطْلق عليه هذا الاسم.فههنا أمران: أمرٌ اسميٌّ لفظيٌّ، وأمرٌ معنويٌّ حكميٌّ.
فالمعنويُّ: هل هذه الخِصْلة كفرٌ أم لا؟واللَّفظيُّ: هل يُسَمَّى مَن قامت به كافرًا أم لا؟
فالأمر الأول شرعيٌّ محضٌ، والثَّاني لغويٌّ وشرعيٌّ.


وههنا أصلٌ آخر، وهو: أنَّه لا يلزم مِن قيام شُعبةٍ من شُعب الإيمان بالعبد أنْ يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعبةٍ من شُعب الكفر به أنْ يُسمَّى كافرًا، وإنْ كان ما قام به كفرًا.

كما أنَّه لا يلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم به أنْ يُسمَّى عالمًا، ولا مِنْ معرفته بعضَ مسائل الفقه والطِّب أنْ يُسمَّى فقهيًا ولا طبيبًا.ولا يمتنع ذلك؛ أنْ تُسمَّى شُعبة الإيمان إيمانًا، وشُعبة النِّفاق نفاقًا، وشُعبة الكفر كفرًا. وقد يطلق عليه الفعل؛ كقوله: "فمن تركها فقد كفر"، وقوله: "من أتى كاهنًا فصدَّقَه بما يقول فقد كفر، ومن حَلَف بغير الله فقد كفر". رواه الحاكم في "صحيحه" بهذا اللَّفظ.فمَنْ صَدَر منه خُلَّةٌ من خِلال الكفر فلا يستحقُّ اسم كافرٍ على الإطلاق. وكذا يقال لمن ارتكب محرَّمًا: إنَّه فعل فُسُوقًا، وإنَّه فسق بذلك المحرَّم، ولا يلزمه اسم فاسقٍ، إلَّا بغلبة ذلك عليه.وهكذا الزَّاني، والسَّارق، والشَّارب، والمنتهب، لا يُسمَّى مؤمنًا، وإنْ كان معه إيمانٌ. كما أنَّه لا يُسمَّى كافِرًا، وإنْ كان ما أتى به من خصال الكفر وشعبه؛ إذْ المعاصي كلُّها من شعب الكفر، كما أنَّ الطاعات كلَّها من شعب الإيمان.
والمقصودُ: أنَّ سلْبَ اسم الإيمان عن تارك الصَّلاة أولى من سلْبِه عن مرتكب الكبائر، وسلْب اسم الإسلام عنه أولى من سلْبِه عمَّن لم يسلَم المسلمون من لسانه ويده. فلا يُسمَّى تارك الصَّلاة مسلمًا ولا مؤمنًا، وإنْ كان معه شُعْبة من شعب الإسلام والإيمان.
يبقى أنْ يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النَّار؟ فيُقال: ينفعه إنْ لم يكن المتروك شرطًا في صحَّة الباقي واعتباره، وإنْ كان المتروك شرطًا في اعتبار الباقي لم ينفعه؛ ولهذا لا ينفع الإيمان بالله ووحدانيته، وأنَّه لا إله إلَّا هو مَنْ أنكر رسالة محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تنفع الصَّلاة مَنْ صلَّاها عمدًا بغير وضوء.فشعب الإيمان قد يتعلَّق بعضها ببعضٍ؛ تعلُّق المشروط بشَرْطِه، وقد لا يكون كذلك. فيبقى النَّظر في الصلاة، هل هي شرطٌ لصحَّة الإيمان؟ هذا سِرُّ المسألة.

والأدلَّة التي ذكرناها وغيرها تدلُّ على أنَّه لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه. ومُحالٌ بقاء الرِّبح بلا رأس مالٍ، فإذا خسرها خسر أعماله كلَّها، وإنْ أتى بها صورةً. وقد أشار إلى هذا في قوله: "وإنْ ضيَّعها فهو لما سواها أضْيع"، وفي قوله: "إنَّ أوَّل ما يُنْظَر في أعماله الصَّلاة؛ فإنْ جازت له نُظِرَ في سائر أعماله، وإنْ لم تجز له لم يُنْظَر في شيءٍ من أعماله بعدُ".

ومِن العَجب أنْ يقع الشَّكُّ في كفر من أصرَّ على تركها، ودُعِي إلى فعلها على رؤوس الملأ، وهو يَرى بارقة السَّيف على رأسه، وشُدَّ للقتل، وعُصِبت عيناه، وقيل له: تصلِّي وإلَّا قتلناك؟ = فيقول: اقتلوني ولا أصلِّي أبدًا!
ومَن لا يكفِّر تارك الصلاة يقول: هذا مؤمنٌ، مسلمٌ، يغسَّل، ويصلَّى
عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.

وبعضهم يقول: إنَّه مؤمنٌ، كامل الإيمان، إيمانُه كإيمان جبرئيل وميكائيل! أفلا يستحي مَنْ هذا قولُهُ من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسُّنَّة واتفاق الصَّحابة! والله الموفق.

المصادر




المؤلف: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)

المحقق: عدنان بن صفاخان البخاري

راجعه: سليمان بن عبد الله العمير - محمد أجمل الإصلاحي - علي بن محمد العمران

الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)








reaction:

تعليقات