القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخطل الشاعر النصراني زمان بني أمية


الأخطل الشاعر النصراني زمان بني أمية



الاخطل أحد الثلاثة الذين دار عليهم الكلام والرهان وطافت قصصهم البلاد وسمع بها كل من عاصرهم حتي الآن الأخطل -الفرزدق-جرير  وكان بينهما مسايقات ومشاغبات وأيام كانت أخبارهم أنس المجالس وقصائدهم تسير بها الركبان ويتغني بها الرعيان وتتفاخر بها القبائل وتقوم من أجل قصيدة أحدهم الدنيا ولا تقعد وهنا نذكر بعض أخبار الأخطل الشاعر النصراني زمان بني أمية 




الأخطل الشاعر النصراني زمان بني أمية




 لما بلغ الأخطل تهاجى جرير والفرزدق قَالَ لِابْنِهِ مَالك انحدر إِلَى الْعرَاق حَتَّى تسمع مِنْهُمَا وتأتيني بخبرهما قَالَ فلقيهما ثمَّ اسْتمع فَأتى أَبَاهُ فَقَالَ جرير يغْرف من بَحر والفرزدق ينحت من صَخْر فَقَالَ الأخطل فجرير أشعرهما ثمَّ قَالَ

قضاء الأخطل بين جرير والفرزدق


إِنِّي قضيت قَضَاء غير ذِي جنف


 لما سَمِعت وَلما جَاءَنِي الْخَبَر


أَن الفرزدق قد شالت نعامته 


 وعضه حَيَّة من قومه ذكر


 ثمَّ قدم الأخطل الْكُوفَة على بشر بن مَرْوَان فَبعث إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عُمَيْر بن عُطَارِد بن حَاجِب بن زُرَارَة بِدَرَاهِم وحملان وَكِسْوَة وخمر وَبَلغنِي أَن الَّذِي بعث بِهَذَا شبة بن عقال الْمُجَاشِعِي وَقَالَ للأخطل فضل شَاعِرنَا عَلَيْهِ وسبه


 فَقَالَ الأخطل:


اخْسَأْ كُلَيْب إِلَيْك إِن مجاشعا 


وَأَبا الفوارس نَهْشَلَا أَخَوان


قوم إِذا خطرت إِلَيْك قرومهم


  جعلوك بَين كلا كل وجران


وَإِذا وضعت أَبَاك فِي ميزانهم 


 رجحوا وشال أَبوك فِي الْمِيزَان



فَقَالَ جرير:



يَاذَا العباية إِن بشرا قد قضى


  أَن لَا تجوز شَهَادَة النشوان


 وَأَخْبرنِي أَبُو عبيد النَّحْوِيّ قَالَ لما أَتَى الأخطل قَول جرير:


جاريت مطلع الرِّهَان بسنه


  روق شبيبته وعمرك فَانِي


ويروى:


جاريت مطلع الرِّهَان بروقه 


 مَاء الشَّبَاب وَمَاء روقك فَانِي


قَالَ الأخطل صدق ابْن المراغة وَقد أديل مني حِين أَقُول لنابغة بني جعدة:


لقد جارى أَبُو ليلى بقحم 


ومنتكث على التَّقْرِيب وان


إِذا خبط الخبار أكب فِيهِ


وخر على الجحافل والجران


يرْوى إِذا دخل الخبار


وَكَانَ الأخطل من أسن أهل طبقته


 أَنْشدني مُحَمَّد بن الْفضل الْهَاشِمِي لجرير فِي مُحَمَّد بن عُمَيْر ابْن عُطَارِد:


إِنَّا لنعلم مَا أَبوك بحاجب


 فَالْحق بأصلك من بني دهمان


وَهِي قصيدة


 وَقَالَ لشبة بن عقال وَكَانَت فِيهِ شوهة وَذَاكَ فِي وَلَده بَين


فَضَح الْعَشِيرَة يَوْم يسلح قَائِما 


 ظلّ النعامة شبة بن عقال


 وَقَالَ للأخطل:



رشتك مجاشع سكرا بفلس


  فَلَا تهنيك رشوة من رشاكا


وَهِي قصيدة طَوِيلَة


 وَقَالَ:


يَا شب وَيحك إِلَّا تكفر فوارسنا 


يَوْم ابْن كَبْشَة عالي الْملك جَبَّار


لَوْلَا حماية يَرْبُوع نساءكم 


كَانَت لغيركم فِيهِنَّ أطهار

من أشعر جرير أم الفرزدق أم الأخطل

   
قَالَ ابْن سَلام وَسَأَلت بشارا المرعث أَي الثَّلَاثَة أشعر فَقَالَ لم يكن الأخطل مثلهمَا وَلَكِن ربيعَة تعصبت لَهُ وأفرطت فِيهِ قلت فهذان قَالَ كَانَت لجرير ضروب من الشّعْر لَا يحسنها الفرزدق وَلَقَد مَاتَت النوار فَقَامُوا ينوحون عَلَيْهَا بِشعر جرير

فَقلت لبشار وَأي شَيْء لجرير من المراثى إِلَّا الَّتِي رثى بهَا امْرَأَته فأنشدني لجرير يرثي ابْنه سوَادَة وَمَات بِالشَّام


قَالُوا نصيبك من أجرفقلت لَهُم 


 كَيفَ العزاء وَقد فَارَقت أشبالي


فارقتني حِين كف الدَّهْر من بَصرِي 


 وَحين صرت كعظم الرمة الْبَالِي


أَمْسَى سوَادَة يجلو مقلتى لحم 


 باز يصرصر فَوق المربأ العالي


قد كنت أعرفهُ مني إِذا غلقت 


رهن الْجِيَاد وَمد الْغَايَة الغالي


إِن الثوى بِذِي الزَّيْتُون فاحتسبي


  قد أسْرع الْيَوْم فِي عَقْلِي وَفِي حَالي


إِلَّا تكن لَك بالديرين معولة 


 فَرب باكية بالرمل معوال


كَأُمّ بو عجول عِنْد معهده 


 حنت إِلَى جلد مِنْهُ وأوصال


حَتَّى إِذا عرفت أَن لَا حَيَاة بِهِ 


 ردَّتْ هماهم حرى الْجوف مثكال


زَادَت على وجدهَا وجدا وَإِن رجعت 



فِي الصَّدْر مِنْهَا خطوب ذَات بلبال




حَدثنِي عبد الْجَبَّار بن سعيد بن المساحقى سُلَيْمَان عَن الْمُحَرر بن أَبى هُرَيْرَة قَالَ إِنِّي بأريحا فِي عَسْكَر سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَفِيه جرير والفرزدق إِذْ أَتَانَا الفرزدق فَقَالَ اشْهَدُوا جَنَازَة مُحَمَّد ابْن أخي ثمَّ قَالَ

بتنا بدير أريحاء بليلة 


 خدارية يزْدَاد طولا تَمامهَا


أكابد فِيهَا نفس أقرب من مَشى 


 أَبوهُ يإمر غَابَ عني نيامها


وَكُنَّا نرى من غَالب فِي مُحَمَّد


  شمائل يَعْلُو الفاعلين كرامها


وَكَانَ إِذا مَا حل أَرضًا تزينت 


 بزينته صحراؤها وإكامها


سقى أريحاء الْغَيْث وَهِي بغيضة 


 إِلَيْنَا وَلَكِن كى ليسقاه هامها


ثمَّ انْصَرف وَجَاء جرير فَقَالَ قد رَأَيْت هَذَا وَسمعت مَا قَالَ فِي ابْن أَخِيه وَمَا ابْن أَخِيه فعل الله بِهِ وَفعل وَذكر اللَّعْن قَالَ وَمضى جرير فَلَا وَالله مَا لبثنا إِلَّا جمعا حَتَّى جَاءَ جرير فَقَامَ مقَامه فَقَالَ اشْهَدُوا سوَادَة ابْنه


ثمَّ قَالَ

كَأَن سوَادَة يجلو مقلتى لحم


  باز يصرصر فَوق المربأ العالي


ودعتني حِين كف الدَّهْر من بَصرِي 


 وَحين صرت كعظم الرمة الْبَالِي


إِلَّا تكن لَك بالديرين باكية 


 فَرب باكية بالرمل معوال


قَالُوا نصيبك من أجرفقلت لَهُم 


كَيفَ العزاء وَقد فَارَقت أشبالي


‌‌مَا قيل فِي الأخطل وَأَحَادِيثه




حَدثنِي أَبُو يحيى الضَّبِّيّ قَالَ كَانَ عبد الرَّحْمَن بن حسان وَيزِيد بن مُعَاوِيَة يتقاولان فاستعلاه ابْن حسان قَالَ يزِيد لكعب ابْن جعيل التغلبي أجبه عني واهجه فَقَالَ وَالله مَا تلتقي شفتاي بِهِجَاء الْأَنْصَار وَلَكِنِّي أدلك على الشَّاعِر الماهر الْفَاجِر فَتى منا يَقُول لَهُ غياث بن الْغَوْث نَصْرَانِيّ


وَكَانَ كَعْب سَمَّاهُ الأخطل وَذَاكَ أَنه سَمعه ينشد هجاء فَقَالَ يَا غُلَام إِنَّك لأخطل اللِّسَان


قَالَ أَبُو يحيى قَالَ كَعْب بن جعيل إِنِّي قد هجوت نَفسِي ببيتين وَقد ضممت عَلَيْهِمَا فَمن أصابهما فَهُوَ الشَّاعِر فَقَالَ الأخطل:

سميت كَعْبًا بشر الْعِظَام


  وَكَانَ أَبوك سمى الْجعل


وَإِن محلك من وَائِل 


 مَحل القراد من است الْجمل


قَالَ هما هَذَانِ


قَالَ أَبُو يحيى أرسل إِلَيْهِ يزِيد أَن اهجهم فَقَالَ كَيفَ أصنع بمكانهم أَخَافهُم على نَفسِي قَالَ لَك ذمَّة أَمِير الْمُؤمنِينَ وذمتي فَذَلِك حِين يَقُول:


ذهبت قُرَيْش بالسماحة والندى 


 واللؤم تَحت عمائم الْأَنْصَار


فجَاء النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بلغ منا أَمر مَا بلغ منا مثله فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام قَالَ من بلغ ذَاك مِنْكُم قَالَ غُلَام نَصْرَانِيّ من بني تغلب قَالَ مَا حَاجَتك فِيهِ قَالَ لِسَانه قَالَ ذَاك لَك.


وَكَانَ النُّعْمَان ذَا منزلَة من مُعَاوِيَة وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول يَا معشر الْأَنْصَار تستبطئونني وَمَا صحبني مِنْكُم إِلَّا النُّعْمَان بن بشير وَقد رَأَيْتُمْ مَا صنعت بِهِ وَكَانَ ولاه الْكُوفَة وأكرمه.


 فَأخْبر الأخطل فَصَارَ إِلَى يزِيد فَدخل يزِيد إِلَى أَبِيه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هجوني وذكروك فَجعلت لَهُ ذِمَّتك وذمتي على أَن ردعني فَقَالَ مُعَاوِيَة للنعمان لَا سَبِيل إِلَى ذمَّة أبي خَالِد.


 فَذَاك حَيْثُ يَقُول الأخطل:


أَبَا خَالِد دافعت عني عَظِيمَة


 وَأدْركت لحمي قبل أَن ينبددا


وَأَطْفَأت عني نَار نعْمَان بَعْدَمَا 


 أغذ لأمر فَاجر وتجردا


وَلما رأى نعْمَان دوني ابْن حرَّة 


 طوى الكشح إِذْ لم يستطعني وعردا


وَمَا مفعم يَعْلُو جزائر حامر


  يشق إِلَيْهَا خيزرانا وغرقدا


تحرز مِنْهُ أهل عانات بعد مَا 


 كسا سورها الْأَدْنَى غثاء منضدا


كَأَن بَنَات المَاء فِي حجراتها 


 أَبَارِيق أَهْدَتْهَا دياف لصرخدا


يقمص بالملاح حَتَّى يشفه 


 الحذار وَإِن كَانَ المشيح المعودا


بمطرد الآذى جون كَأَنَّمَا 


زفا بالقراقير النعام المطردا


بأجود سيبا من يزِيد إِذا غَدَتْ 


 بِهِ بخته يحملن ملكا وسوددا


يقلص بِالسَّيْفِ الطَّوِيل نجاده 


 خميص إِذا السربال عَنهُ تقددا

الأخطل في الكوفة

حَدثنِي يُونُس وعامر بن عبد الْملك وَأَبُو الغراف فألفت مَا قَالُوا قَالَ أَتَى الأخطل الْكُوفَة فَأتى الغضبان بن القبعثرى الشَّيْبَانِيّ وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد بكر بن وَائِل فَسَأَلَهُ فِي حمالَة وَكَانَ سؤلة على مِثَال فعلة قَالَ إِن شِئْت أَعطيتك أَلفَيْنِ وَإِن شِئْت أَعطيتك دِرْهَمَيْنِ قَالَ مَا بَال الْأَلفَيْنِ وَمَا بَال الدرهمين قَالَ إِن أَعطيتك أَلفَيْنِ لم يعطكها إِلَّا قَلِيل وَإِن أعطينا دِرْهَمَيْنِ لم يبْق بكري بِالْكُوفَةِ إِلَّا أَعْطَاك دِرْهَمَيْنِ وكتبنا لَك إِلَى إِخْوَاننَا من أهل الْبَصْرَة فَلم يبْق بكري إِلَّا أَعْطَاك دِرْهَمَيْنِ فَخفت عَلَيْهِم المؤونهوَكثر لَك النّيل قَالَ فَهَذِهِ إِذن قَالَ نقسمها لَك إِلَى أَن ترجع من الْبَصْرَة فَكتب لَهُ بِالْبَصْرَةِ إِلَى سُوَيْد بن منجوف السدُوسِي وَهُوَ زعيم بكر بن وَائِل بِالْبَصْرَةِ.


 قَالَ يُونُس بن حبيب فِي حَدِيثه فَنزل على آل الصَّلْت ابْن حُرَيْث الْحَنَفِيّ فَأَخْبرنِي من سَمعه أَنه قَالَ وَالله لَا أَزَال أفعل ذَاك.


 ثمَّ رَجَعَ إِلَى الحَدِيث الأول قَالَ وأتى سويدا بِالْكتاب فَأخْبرهُ بحاجته قَالَ نعم وَأَقْبل على قومه فَقَالَ هَذَا أَبُو مَالك قد أَتَاكُم يسألكم أَن تجمعُوا لَهُ وَهُوَ أهل ان نقضي حَاجته وَهُوَ الَّذِي يَقُول:


إِذا مَا قلت قد صالحت بكرا 


 أَبى الْبغضَاء لَا النّسَب الْبعيد


وَأَيَّام لنا وَلَهُم طوال 


 يعَض الْهَام فِيهِنَّ الْحَدِيد


ومهراق الدِّمَاء بواردات 


 تبيد المخزيات وَمَا تبيد


هما أَخَوان يصطليان نَارا 


 رِدَاء الْمَوْت بَينهمَا جَدِيد


فهيجهم على الأخطل قَالُوا فلاها الله إِذن وَالله لَا نُعْطِيه شَيْئا


    فَخرج وَهُوَ يَقُول:

فَإِن تمنع سدوس درهميها


  فَإِن الرّيح طيبَة قبُول


تواكلني بَنو العلات مِنْهُم 


 وغالت مَالِكًا وَيزِيد غول


صَرِيعًا وَائِل هلكا جَمِيعًا 


 كَانَ الأَرْض بعدهمَا محول


يُرِيد مَالك بن مسمع وَيزِيد بن رُوَيْم الشَّيْبَانِيّ


وَقَالَ لسويد بن منجوف وَكَانَ سُوَيْد رجلا تَقْتَحِمُهُ الْعين وَلَيْسَ بِذِي منظرة.

وَمَا جذع سوء خرق السوس أَصله


  لما حَملته وَائِل بمطيق


ويروى خرب السوس جَوْفه


وَكَانَ الأخطل مَعَ مهارته وشعره يسْقط كَانَ مدح سماكا الْأَسدي وَهُوَ سماك الهالكي بن عُمَيْر بن عَمْرو بن أَسد وَبَنُو عَمْرو يلقبون القيون وَمَسْجِد سماك بِالْكُوفَةِ مَعْرُوف وَكَانَ من أَهلهَا فَخرج أَيَّام عَليّ هَارِبا فلحق بالجزيرة فمدحه الأخطل فَقَالَ:

نعم المجير سماك من بني أَسد 


 بالمرج إِذْ قتلت جِيرَانهَا مُضر


قد كنت أَحْسبهُ قينا وأنبؤه 


 فاليوم طير عَن أثوابه الشرر


ويروى قد كنت أنبؤه قينا وَأخْبرهُ


إِن سماكا بنى مجدا لأسرته


 حَتَّى الْمَمَات وَفعل الْخَيْر يبتدر


فَقَالَ سماك يَا أخطل أردْت مديحي فهجوتني كَانَ النَّاس يَقُولُونَ قولا فحققته فَلَمَّا هجا سويدا قَالَ لَهُ سُوَيْد يَا أَبَا مَالك وَالله مَا تحسن أَن تهجو وَلَا تمدح لقد أردْت مدح الْأَسدي فهجوته يَعْنِي قَوْله قد كنت أَحْسبهُ قينا وَأَرَدْت هجائي فمدحتني جعلت وائلا كلهَا حَملتنِي أمورها وَمَا طمعت فِي بني ثَعْلَبَة فضلا عَن بكر فزدتني تغلب.


قال أبان بن عُثْمَان البَجلِيّ مر الأخطل بِالْكُوفَةِ فِي بني رؤاس ومؤذنهم يُنَادي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ بعض شُبَّانهمْ ابا مَالك الا تدخل فَتُصَلِّي فَقَالَ:


أُصَلِّي حَيْثُ تدركني صَلَاتي


  وَلَيْسَ الْبر وسط بني رؤاس


حَدثنِي أبوالحصين الْمدنِي قَالَ بَينا الأخطل قد خلا مَعَ صَاحب لَهُ بخميرة لَهما فِي نزهة إِذْ طَرَأَ عَلَيْهِمَا طارىء لَا يعرفانه وَلَا يستخفانه فَشرب شرابهما وَثقل عَلَيْهِمَا فَقَالَ الأخطل:

وَلَيْسَ القذى بِالْعودِ يسفط فِي الْخمر


  وَلَا بذباب خطبه أيسر الْأَمر


وَلَكِن شخصا لَا يسر بِقُرْبِهِ 


 ترامى بِهِ الْغِيطَان من حَيْثُ لَا نَدْرِي


قال أبان بن عُثْمَان حَدثنِي أبي قَالَ دَعَا الأخطل شَاب من شباب أهل الْكُوفَة إِلَى منزله فَقَالَ يَا ابْن أخي أَنْت لَا تحْتَمل المؤونة وَلَيْسَ عَلَيْك مُحْتَمل فَلم يزل بِهِ حَتَّى انتجعه فَأتى الْبَابفَقَالَ يَا شقراء فَخرجت إِلَيْهِ امْرَأَة فَقَالَ لَهَا أعلمي فلَانا مَكَاني.

فَقَالَ لأمة هَذَا أَبُو مَالك قد زارنا فباعت غزلا فاشترت لَهُم لَحْمًا ونبيذا وريحانا فَدخل خصا لَهُم فَأكل مَعَه وَشرب فَقَالَ فِي ذَلِك:


وَبَيت كَظهر الْفِيل جلّ مَتَاعه


  أباريقه والشارب المتقطر


ترى فِيهِ أثلام الأصيص كَأَنَّهَا


 إِذا بَال فِيهَا الشَّيْخ حفر معور


لعمرك مَا عِشْنَا بِيَوْم معيشة 


 من الدَّهْر إِلَّا يَوْم شقراء أقصر


حوارية لَا يدْخل الذَّم بَيتهَا 


 مطهرة يأوي إِلَيْهَا مطهر


قَالَ أَبُو يحيى الضَّبِّيّ اجْتمع الفرزدق وَجَرِير والأخطل عِنْد بشر بن مَرْوَان وَكَانَ يغرى بَين الشُّعَرَاء فَقَالَ للأخطل احكم بَين الفرزدق وَجَرِير.

قَالَ أعفني أَيهَا الْأَمِير قَالَ احكم بَينهمَا فاستعفاه بِجهْدِهِ فأبي إِلَّا أَن يَقُول فَقَالَ هَذَا حكم مشؤوم ثمَّ قَالَ الفرزدق ينحت من صَخْر وَجَرِير يغْرف من بَحر فَلم يرض جرير بذلك وَكَانَ سَبَب الهجاء بَينهمَا فَقَالَ جرير فِي حكومته.


سبب العداوة بين الأخطل وجرير


يَاذَا العباية إِن بشرا قد قضى 


 أَن لَا تجوز حُكُومَة النشوان


فدعوا الْحُكُومَة لَسْتُم من أَهلهَا 


 إِن الْحُكُومَة فِي بني شَيبَان


قتلوا كليبكم بلقحة جارهم 


 يَا خزر تغلب لَسْتُم بهجان


وَقَالَ الأخطل يرد عَلَيْهِ


وَلَقَد تقايستم إِلَى أحسابكم 


 وجعلتم حكما من الصلتان


فَإِذا كُلَيْب لَا يُسَاوِي دارما 


 حَتَّى يساوى حصرم بِأَبَان


وَإِذا جعلت أَبَاك فِي ميزانهم 


 رجحوا وشال أَبوك فِي الْمِيزَان


وَإِذا وَردت المَاء كَانَ لدارم 


 عفواته وسهولة الأعطان


ثمَّ استطار الهجاء


وحَدثني رجل من بني مَرْوَان شَامي قَالَ اجْتمع جرير والأخطل عِنْد عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ الأخطل أَيْن تركت أعيار أمك قَالَ ترعى مَعَ خنازير أَبِيك.


- أَبُو الغراف قَالَ تناشدا عِنْد الْوَلِيد بن عبد الْملك فَأَنْشد الأخطل كلمة عَمْرو بن كُلْثُوم


أَلا هبي بصحنك فاصبحينا 


فَتحَرك الْوَلِيد فَقَالَ مغر يَا جرير يُرِيد قصيدة أَوْس بن مغراء السَّعْدِيّ ثمَّ القريعي


مَاذَا يهيجك من دَار بفيحانا 


 قفر توهمت مِنْهَا الْيَوْم عرفانا


منا النَّبِي الَّذِي قد عَاشَ مؤتمنا 

 وصاحباه وَعُثْمَان بن عفانا


تحالف النَّاس مِمَّا يعلمُونَ لنا 


 وَلَا نخالف إِلَّا الله مَوْلَانَا


مُحَمَّد خير من يمشي على قدم 


 وَكَانَ صَافِيَة لله خلصانا

فَقَالَ الأخطل أَعلَى تعصب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَعلي تعين وَأَنا صَاحب عبد الرَّحْمَن بن حسان وَصَاحب قيس وَصَاحب كَذَا.


 وَكَانَ الأخطل مستعليا قيسا فِي حربهم فَقَالَ


إِن السيوف غدوها ورواحها 


 تركت هوَازن مثل قرن الأعضب


وَكَانَ يُونُس ينشد هَذَا الْبَيْت غدوها ورواحها جعله ظرفا


وَقَالَ الأخطل:


لقد خبرت والأنباء تنمي 


 لقد نجاك يَا زفر الْفِرَار


إِلَى أَن قَالَ:


أَلا أبلغ الجحاف هَل هُوَ ثَائِر


  بقتلى أُصِيبَت من سليم وعامر


فَجمع لَهُم الجحاف السّلمِيّ وَهُوَ أحد بني فالج بن ذكْوَان وَولد بِالْبَصْرَةِ هُوَ وَزفر بن الْحَارِث وَكَانَا عثمانيين فَلَمَّا ظهر عَليّ بن أبي طَالب على أهل الْبَصْرَة خرجا إِلَى الشَّام فَسَادًا أَهلهَا.

وَزفر من بني نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب من ولد يزِيد بن الصَّعق وَهُوَ سيد شرِيف وَله يَقُول الْقطَامِي حِين أسره فَمن عَلَيْهِ.


من الْبيض الْوُجُوه بني نفَيْل 


 أَبَت أَخْلَاقهم إِلَّا ارتفاعا


فَجمع لَهُم الجحاف جمعا فَأَغَارَ على الْبشر وَهِي منَازِل تغلب فأسرف فِي الْقَتْل فيهم فاستخذأ الأخطل فَقَالَ:


لقد أوقع الجحاف بالبشر وقْعَة 


 إِلَى الله مِنْهَا المشتكى والمعول


فإلا تغيرها قُرَيْش بملكها 


 يكن عَن قُرَيْش مستماز ومزحل


فَقَالَ إِلَى أَيْن لَا أم لَك قَالَ إِلَى النَّار

فَوَثَبَ عَلَيْهِ جرير عِنْد استخذائه فَقَالَ:


فَإنَّك والجحاف حِين تحضه


  أردْت بِذَاكَ الْمكْث والورد أعجل


سما لكم لَيْلًا كَأَن نجومه 


 قناديل فِيهِنَّ الذبال المفتل


فَمَا ذَر قرن الشَّمْس حَتَّى تبينوا 


 كراديس يهديهن ورد محجل


وَمَا زَالَت الْقَتْلَى تمج دماءها 


 مَعَ الْمَدّ حَتَّى مَاء دجلة أشكل


فإلا تعلق من قُرَيْش بِذِمَّة 


 فَلَيْسَ على أسياف قيس معول


بَكَى دوبل لَا يرقىء الله دمعه 


 أَلا إِنَّمَا يبكي من الذل دوبل



أَنا أَبُو خَليفَة قَالَ قَالَ ابْن سَلام قَالَ أَبُو الغراف قَالَ الأخطل وَالله مَا سمتني أُمِّي دوبلا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا فَمن أَيْن سقط إِلَى الْخَبيث.


وَقَالَ الجحاف يُجيب الأخطل


أَبَا مَالك هَل لمتني مذ حضضتني


  على القتلأم هَل لامني لَك لائم


ولقى الجحاف الأخطل فَقَالَ أَبَا مَالك كَيفَ رَأَيْتقَالَ رَأَيْت شَيخا فَاجِرًا


وَقَالَ لي أبان الْأَعْرَج أدْرك الجحاف الْجَاهِلِيَّة فَقلت لَهُ لم تَقول ذَاك قَالَ لقَوْله


شهدن مَعَ النَّبِي مسومات 


 حنينا وَهِي دامية الْكَلَام


نعرض للطعان إِذا الْتَقَيْنَا


  وُجُوهًا لَا تعرض للطام


فَقلت لَهُ إِنَّمَا عني خيل قومه بني سليم


وَذكرت ذَلِك لعبد القاهر بن السّري فَقَالَ جدي قيس ابْن الْهَيْثَم أعْطى حَكِيم بن أُميَّة جَارِيَة ولدت لَهُ الجحاف فِي غرفَة فِي دَارنَا لَا أَحْسبهُ إِلَّا قَالَ رَأَيْتهَا.

 وروى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ رَأَيْتالجحاف يطوف بِالْبَيْتِ فِي أَنفه خزام وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اغْفِر لي وَلَا أَرَاك تفعل فَقلت من هَذَا قَالُوا الجحاف وَكَانَ بعد ذَلِك يتأله وَيظْهر التَّوْبَة.


وَمر عِكْرِمَة بن ربعي الْفَيَّاض التَّيْمِيّ بأسماء بن خَارِجَة حِين قتلت تغلب عُمَيْر بن الْحباب فَقَالَ عِكْرِمَة لأسماء أَبَا مَالك قتلت تغلب عُمَيْرًا فِي دَارهم قَالَ نعم ومقبلا غير مُدبر قَالَ نعم قَالَ فَلَا بَأْس قَالَ فَلَمَّا أدبر عِكْرِمَة قَالَ أَسمَاء:


يَدي لَك رهن من سليم بغارة


  تشيب لَهَا أصداغ بكر بن وَائِل


وَأَن يتْركُوا رَهْط الفدوكس عصبَة 


 أيامى يتامى عرضة للقبائل


 قَالَ ابْن سَلام قدم الأخطل الْكُوفَة فَأتى حَوْشَب ابْن رُوَيْم الشَّيْبَانِيّ فَقَالَ إِنِّي تحملت حمالتين لأحقن بهما دِمَاء قومِي فنهره.

فَأتى شَدَّاد بن البزيعة فَسَأَلَهُ فَاعْتَذر إِلَيْهِ فَأتى عِكْرِمَة الْفَيَّاض وَكَانَ كَاتبا لبشر بن مَرْوَان فَسَأَلَهُ وَأخْبرهُ بمارد عَلَيْهِ الرّجلَانِ فَقَالَ أما إِنِّي لَا أنهرك وَلَا أعْتَذر إِلَيْك وَلَكِنِّي أُعْطِيك إِحْدَاهمَا عيناوَالْأُخْرَى عرضا قَالَ وَحدث أَمر بِالْكُوفَةِ فَاجْتمع لَهُ النَّاس فى الْمَسْجِد فَقيل لَهُ إِن أردْت أَن تكافىء عِكْرِمَة يَوْمًا فاليوم فَلبس جُبَّة خَز وَركب فرسا وتقلد صليبا من ذهب وأتى بَاب الْمَسْجِد وَنزل عَن فرسه فَلَمَّا رَآهُ حَوْشَب وَشَدَّاد نفسا عَلَيْهِ ذَلِك وَقَالَ لَهُ عِكْرِمَة يَا أَبَا مَالك فجَاء فَوقف وابتدأ ينشد قصيدته:


لمن الديار بِحَائِل فوعال


حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله


إِن ابْن ربعي كفاني سيبه 


 ضغن الْعَدو وعذرة الْمُحْتَال


أغليت حِين توا كلتني وَائِل 


 إِن المكارم عِنْد ذَاك غوالي


وَلَقَد مننت على ربيعَة كلهَا 


 وكفيت كل موا كل خذال


كَابْن البزيعة أَو كآخر مثله 


 أولى لَك ابْن مسيمة الأجمال


إِن اللَّئِيم إِذا سَأَلت بهرته 


 وَترى الْكَرِيم يراح كالمختال


وَإِذا عدلت بِهِ رجَالًا لم تَجِد 


 فيض الْفُرَات كراشح الأوشال


قَالَ فَجعل عِكْرِمَة يبتهج وَيَقُول هَذِه وَالله أحب إِلَيّ من حمر النعم


أَنا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب نَا ابْن سَلام قَالَ أَخْبرنِي أَبُو الغراف قَالَ لما قَالَ جرير:


إِذا أخذت قيس عَلَيْك وخندف


  بأقطارها لم تدرمن أَيْن تسرح


فَلَمَّا أنْشدهُ الأخطل قَالَ لامن أَيْن سدو الله عَليّ الدُّنْيَا حَتَّى أنْشد قَوْله:


فمالك فِي نجد حَصَاة تعدها


  وَمَالك فِي غوري تهَامَة أبطح


فَقَالَ الأخطل لَا أُبَالِي وَالله أَن لَا يكون فتح والصليب لي القَوْل ثمَّ قَالَ:


وَلَكِن لنا بر الْعرَاق وبحره 


 وَحَيْثُ يرى القرقور فِي المَاء يسبح


 أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قَالَ أَبُو الْخطاب حَدثنِي نوح بن جرير قَالَ قلت لأبي أَنْت أشعر أم الأخطل فنهرني وَقَالَ:

بئس مَا قلت وَمَا أَنْت وَذَاكَ لَا أم لَك فَقلت وَمَا أَنا وَغَيره قَالَ لقد أعنت عَلَيْهِ بِكفْر وَكبر سنّ وَمَا رَأَيْته إِلَّا خشيت أَن يبتلعني.

 وَفِي حَدِيث أبي قيس الْعَنْبَري عَن عِكْرِمَة بن جريرحِين سَأَلَ اباه عَن الشُّعَرَاء فَقَالَ فِي الأخطل يجيد نعت الْمُلُوك ويصيب صفة الْخمر.

 أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة قَالَ أَنبأَنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنِي شيخ من ضبيعة قَالَ خرج جرير إِلَى الشأم فَنزل منزلا لبني تغلب فَخرج متلثما عَلَيْهِ ثِيَاب سَفَره فَلَقِيَهُ رجل لَا يعرفهُ فَقَالَ مِمَّن الرجل قَالَ من بني تَمِيم.

قَالَ أما سَمِعت مَا قلت لغاوي بني تَمِيم فأنشده مِمَّا قَالَ لجرير فَقَالَ أما سَمِعت مَا قَالَ لَك غاوي بني تَمِيم فأنشده ثمَّ عَاد الأخطل وَعَاد جرير فِي نقضه حَتَّى كثر ذَلِك بَينهمَا

فَقَالَ التغلبي من أَنْت لَا حياك الله وَالله لَكَأَنَّك جرير قَالَ فَأَنا جرير قَالَ وَأَنا الأخطل.

قال أَبُو خَليفَة قال ابْن سَلام قَالَ سَمِعت سَلمَة ابْن عَيَّاش يَقُول تَذَاكرنَا جرير والفرزدق والأخطل فَقَالَ قَائِل من مثل الأخطل إِن فِي كل بَيت لَهُ بَيْتَيْنِ إِذْ يَقُول:


وَلَقَد علمت إِذا العشار تروحت


  هدج الرئال تكبهن شمالا


أَنا نعجل بالعبيط لضيفنا 


 قبل الْعِيَال ونقتل الأبطالا


وَلَو شَاءَ لقَالَ:


وَلَقَد علمت إِذا العشار


  تروحت هدج الرئال


أَنا نعجل بالعبيط 


 لضيفنا قبل الْعِيَال


فَكَانَ هَذَا شعرًا وَكَانَ على غير ذَلِك الْوَزْن


 وَقيل للأخطل عِنْد الْمَوْت أتوصي أَبَا مَالك فَقَالَ


أوصِي الفرزدق عِنْد الْمَمَات


 بِأم جرير وأعيارها


وزار الْقُبُور أَبُو مَالك 


 برغم العداة وأوتارها


أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام قَالَ فَحَدثني أبان بن عُثْمَان قَالَ لما بلغ الفرزدق قَول الأخطل جعل يحن عَلَيْهِ وَيَقُول سآخذ بِوَصِيَّة أخي.


 قال أَبُو خَليفَة قال ابْن سَلام قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن حَفْص بن عَائِشَة التَّيْمِيّ قَالَ قَالَ إِسْحَاق بن عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب خرجت مَعَ أبي إِلَى الشَّام فَخرجت إِلَى دمشق أنظر إِلَى بنائها فَإِذا كَنِيسَة وَإِذا الأخطل فِي ناحيتها.

فَلَمَّا راني أنكرني فَسَأَلَ عني فَأخْبر بنسبي فَقَالَ يَا فَتى إِن لَك موضعا وشرفا وَإِن الأسقف قد حَبَسَنِي فَأَنا أحب أَن تَأتيه تكَلمه فِي إطلاقي.

النصرانية دين الأخطل

قَالَ قلت نعم فَذَهَبت إِلَى الأسقف وانتسبت لَهُ فكلمته وَطلبت إِلَيْهِ فِي تخليته فَقَالَ مهلا أُعِيذك بِاللَّه أَن تكلم فِي مثل هَذَا فَإِن لَك موضعا وشرفا وَهَذَا ظَالِم يشْتم اعراض النَّاس ويهجوهم فَلم أزل بِهِ حَتَّى قَامَ معي فَدخل عَلَيْهِ الْكَنِيسَة فَجعل يوعده وَيرْفَع عَلَيْهِ الْعَصَا والأخطل يتَضَرَّع إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول لَهُ أتعود أتعود فَيَقُول لَا قَالَ إِسْحَاق فَقلت لَهُ يَا أَبَا مَالك تهابك الْمُلُوك وتكرمك الْخُلَفَاء وذكرك فِي النَّاس عَظِيم أمره وَأَنت تخضع لهَذَا هَذَا الخضوع وتستخذى لَهُ قَالَ فَجعل يَقُول لي إِنَّه الدّين إِنَّه الدّين.


 أَنا أَبُو خَليفَة نَا مُحَمَّد بن سَلام حَدثنِي مُحَمَّد ابْن الْحجَّاج الأسيدي قَالَ خرجت إِلَى الصائفة فَنزلت منزلا لبني تغلب فَلم أجد بِهِ طَعَاما وَلَا شرابًا وَلَا علفا لدابتي شرى وَلَا قرى وَلم أجد ظلا.

فَقلت لرجل مِنْهُم أما فِي داركم هَذِه مَسْجِد استظل بفيئه قَالَ مِمَّن أَنْت قلت من بني تَمِيم قَالَ مَا كنت أرى عمك جَرِيرًا إِلَّا قد أخْبرك حِين قَالَ:


فِينَا الْمَسَاجِد وَالْإِمَام وَلَا ترى


  فِي دَار تغلب مَسْجِدا معمورا


أَخْبرنِي أَبُو خَليفَة إجَازَة عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قَالَ أبان بن عُثْمَان حَدثنِي سماك بن حَرْب عَن ضوء بن اللَّجْلَاجقَالَ دخلت حَماما بِالْكُوفَةِ وَفِيه الأخطل قَالَ فَقَالَ مِمَّن الرجل قلت من بني ذهل

قَالَ اتروي للفرزدق شَيْئا قلت نعم قَالَ مَا أشعر خليلي على أَنه مَا أسْرع مارجع فِي هِبته قلت وَمَا ذَاك قَالَ قَوْله:


أبني غُدَانَة إِنَّنِي حررتكم 


 فوهبتكم لعطية بن جِعَال


لَوْلَا عَطِيَّة لآجتدعت أنوفكم 


 من بَين ألأم آنف وسبال


وهبهم فِي الأول وَرجع فِي الاخر فَقلت لَو أنكر النَّاس كلهم هَذَا مَا كَانَ يَنْبَغِي أَن تنكره أَنْت قَالَ كَيفَ قلت هجوت زفر بن الْحَارِث ثمَّ خوفت الْخَلِيفَة مِنْهُ فَقلت:


بني أُميَّة إنى نَاصح لكم 


 فَلَا يبيتن فِيكُم آمنا زفر


مفترشا كافتراش اللَّيْث كلكله 


 لِوَقْعَة كَائِن فِيهَا لَهُ جزر


ومدحت سماك بن مخرمَة فَقلت


قد كنت أَحْسبهُ قينا وَأخْبرهُ


  فاليوم طير عَن أثوابه الشرر


لَو أردْت الْمُبَالغَة فِي هجائه مَا زِدْت على هَذَا فَقَالَ لي الأخطل وَالله لَوْلَا أَنَّك من قوم سبق لي مِنْهُم مَا سبق لهجوتك هجاء يدْخل مَعَك قبرك ثمَّ قَالَ:


مَا كنت هاجي قوم بعد مدحهم


  وَلَا تكدر نعمى بعد مَا تجب


اخْرُج عَنى


‌‌مقلدات الأخطل



أَنا أَبُو خَليفَة نَا ابْن سَلام نَا أَبُو الغراف قَالَ انشد الأخطل قصيدته الَّتِي يَقُول:


وَإِذا افْتَقَرت إِلَى الذَّخَائِر لم تَجِد 


 ذخْرا يكون كصالح الْأَعْمَال


فَقَالَ لَهُ هِشَام بن عبد الْملك هَنِيئًا لَك أَبَا مَالك الْإِسْلَام أَو قَالَأسلمت قَالَ مازلت مُسلما يَقُول فِي ديني

 أخبرنَا أَبُو خَليفَة إجَازَة عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ قَالَ لي مُعَاوِيَة بن ابي عَمْرو بن الْعَلَاء أَي الْبَيْتَيْنِ عنْدك أَجود قَول جرير:


ألستم خير من ركب المطايا


  وأندى الْعَالمين بطُون رَاح


أم قَول الأخطل


شمس الْعَدَاوَة حَتَّى يستقاد لَهُم 


 وَأعظم النَّاس أحلاما إِذا قدرُوا


فَقلت بَيت جرير أحلى وأسير وَبَيت الأخطل أجزل وأرزن

فَقَالَ صدقت وَهَكَذَا كَانَا فِي أَنفسهمَا عِنْد الْخَاصَّة والعامة وَقَالَ الأخطل فِيهَا:


حشد على الْحق عَن قَول الخناخرس


  وَإِن ألمت بهم مَكْرُوهَة صَبَرُوا


بني أُميَّة إِنِّي نَاصح لكم 


 فَلَا يبيتن فِيكُم آمنا زفر


فَإِن مشهده كفر وغائلة 


 وَمَا تغيب من أخلاقه دعر


إِن الْعَدَاوَة تلقاها وَإِن قدمت


  كالعر يكمن أَحْيَانًا وينتشر


بني أُميَّة قد ناضلت دونكم 


 أَبنَاء قوم هم آووا وهم نصروا


وَقيس عيلان حَتَّى أَقبلُوا رقصا 


 فبايعوك جهارا بَعْدَمَا كفرُوا


ضنجوا من الْحَرْب إِذْ عضت غواربهم 


 وَقيس عيلان من أخلاقها الضجر


وَقَوله لجرير:


قوم إِذا استنبح الأضياف كلبهم


  قَالُوا لأمهم بولِي على النَّار



 وَقَوله لَهُ:

يَا ابْن المراغة إِن عمي اللذا 

 قتلا الْمُلُوك وفككا الأغلالا


وأخوهم السفاح ظمأ خيله 


 حَتَّى وردن جبى الْكلاب نهالا


فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا 


 منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا


منتك نَفسك أَن تكون كدارم 


 أَو أَن توازن حاجبا وَعِقَالًا


وَقَوله فِي قصيدته الَّتِي أوقع فِيهَا بقيس قَبيلَة قَبيلَة وشبب بهند بنت أَسمَاء


أَلا يَا اسلمى يَا هِنْد بني بدر


  وَإِن كَانَ حيانا عدى آخر الدَّهْر


وَإِن كنت قد أقصدتني إذرميتني 


 بسهمك والرامي يُصِيب وَلَا يدْرِي



 وَقَالَ فِيهَا:


وَقد سرني من قيس عيلان أنني 


 رَأَيْت بني العجلان سادوا بنى بدر


قَالَ واستنشد سلم بن قُتَيْبَة وَهُوَ أَمِير على الْبَصْرَة عِيسَى بن عمر وَكَانَ أحسن النَّاس نشيدا فأنشده كلمة الأخطل هَذِهفَلَمَّا مضى فِيهَا انتبه فأقصر.

فَقَالَ لَهُ سلم اضْرِب بهَا وُجُوهنَا فِي ظلمَة اللَّيْل أَبَا عَمْرو


 وَقَوله لجرير:

تخست بيربوع لتدرك دارما


  لقد ضل من مناك تِلْكَ الأمانيا


جريت شباب الدَّهْر لم تستطعهم 


 أفا لآن لما أصبح الدَّهْر فانيا


أتشتم قوما أثلوك بنهشل


  وتولاهم كُنْتُم كعكل مواليا


 وَقَوله لمصقلة بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ


دع المغمر لاتسأل بمصرعه


  واسأل بمصقلة الْبكْرِيّ مَا فعلا


إِن ربيعَة لن تنفك صَالِحَة 


 مادافع الله عَن حوبائك الأجلا


وَقَوله لبشر بن مَرْوَان


إِذا أتيت أَبَا مَرْوَان تسأله 


 وجدته حاضراه الْجُود والحسب


 وَقَوله:


فَقلت اصبحونا لَا أَبَا لأبيكم 


 وَمَا وضعُوا الأثقال إِلَّا ليفعلوا


وَقَالَ فِيهَا لخَالِد بن عبد الله بن أسيد


أَبى عودك المعجوم إِلَّا صلابة 


 وَكَفاك إِلَّا نائلا حِين تسْأَل


وَقَوله:


وشارب مربح بالكأس نادمني 


 لَا بالحصور وَلَا فِيهَا بِسوار


عذراء لم يجتل الْخطاب بهجتها


  حَتَّى اجتلاها عبادى بِدِينَار


 وَقَوله ليزِيد بن مُعَاوِيَة


وَترى عَلَيْهِ إِذا الْعُيُون شزرنه 


 سِيمَا الْحَلِيم وهيبة الْجَبَّار







المصادر


الكتاب: طبقات فحول الشعراء

المؤلف: محمد بن سلّام (بالتشديد) بن عبيد الله الجمحي بالولاء، أبو عبد الله (ت ٢٣٢هـ)

المحقق: محمود محمد شاكر

الناشر: دار المدني - جدة





reaction:

تعليقات